يلعب الملك داخل الحقل التقليدي ليس فقط دور "أمير المؤمنين"، وإنما كذلك دور "الأب" وما يؤدي إليه ذلك من تداعيات سياسية.

ففي فجر الاستقلال بتاريخ 27 يونيو 1956 خاطب النظام أعضاء جيش التحرير الذين استجابوا لندائه في مطلب وضع السلاح قائلا: "أبناءنا البررة.. رجال جيش التحرير"، "حملتم السلاح صادقين للدفاع عن شخصنا وعرشنا وعن حرية البلاد واستقلالها، وأبيتم أن لا تضعوه إلا بعد تحقيق ما قمتم من أجله، فوفيتم بما عهدتم الله عليه أحسن الوفاء.. وقد دخلنا في عهد جديد نود أن تكونوا من جملة رجاله.. فكونوا – أبناءنا البررة – جنودا في السلم كما كنتم جنودا في الكفاح".

وحين زار محمد الخامس مدينة طنجة بتاريخ 25 شتنبر 1956، سيعبر عن التصور نفسه معتبرا هذه "الزيارة الكريمة" "في الحقيقة ما هي إلا زيارة الأب العطوف لأبنائه البررة المخلصين".

وسينصح سلفه بالسير على النهج نفسه حين توجه إليه في "خطاب الوصية الكبرى" بأن يكون "للناس بمثابة الأب الرؤوف... ترحم الكبير وتحنو على الصغير وتقتضي الحاجات وتعين على النائبات وتدخل الفرح والعناية على القلوب.. فإنك منهم بمنزلة الأب وهم بمنزلة الأبناء".

وعلى هذا النهج سيسير النظام الجديد، ففي خطاب له وهو وليا للعهد بتاريخ 07 فبراير 1947، عبر الحسن الثاني عن ذلك قائلا: "ليس المغرب إلا منزلا رحبا، يسكنه إخوان صافية قلوبهم، طاهرة نفوسهم، يرعاهم أب حنون".

كما أن "برنامج الملك هو برنامج أب لأبنائه، لا يريد أن يرى أي واحد فيهم مكدرا أو يشتكي من الجوع، لأنه هو قبل كل شيء أب عائلة، وكان يقول بنفسه لو كنت كأي واحد من الناس وأدخل عليكم ولا أجد ما أطعمكم به فلن أكون راضيا عن الحالة، بحيث أنا الذي أعرف ما يحتاجه الأولاد وما هي المسؤولية".

وسيحيل النظام على المرجعية الدينية لهذه القناة الإيديولوجية بصفته أميرا للمؤمنين؛ وذلك بمناسبة تدشين ميتم سلا بتاريخ 01/07/1957 حيث قال: "وأنتم يا أبنائي فلا يأخذكم أي مركب نقص، فلم نقم إزاءكم بصدقة... ولكن بواجب حتمته علينا الديانة والسنة والتعاليم الملكية".

وسيمرر هذه "السلطة الأبوية" بطريقة سلسلة قائلا: "إن جلالة والدي هو والدكم أيضا يواصل الليل بالنهار دون عياء أو ملل للعمل لسعادتكم...".

وباعتباره أبا للأمة، فإن النظام يعتبر نفسه القدوة والمثل الأعلى لها في تربية أبنائها، حيث يقول: "فكنت يا مولاي أول أب مغربي يثور على الأساليب العتيقة التي كانت توكل الطفل إلى القابلة الجاهلة والمربية الغافلة وكنت أول مغربي يرقى بأبنائه من تعليم عقيم قاصر إلى تعليم عصري، وكنت أول مغربي لا يوكل مسؤولية التربية والتعليم بالمعلم أو الأستاذ فحسب ولكنه يتحمل منها نصيبه الأوفى"، ويضيف: و"بهذه الروح دخلت مدرسة الحياة إلى جانب والدي وهو يعالج مشاكل الأمة مثلما يعالجها الأب الحنون".

ومن صفات "الأب" العفو على الأبناء، وقمة هذا الصفح "العفو الملكي" الذي شمل به النظام بعد عودته من المنفى التهامي لكلاوي باشا مراكش، فلما: "دخل... بعد انتظار طويل تحت وابل عدسات المصورين وهو يقع عند قدمي محمد الخامس ويقبل طرف ثوبه، نادما عما سلف، وأبان سيدي محمد عن شهامته المعهودة، فصفح لألد أعدائه وقال له: "لا تتكلم عن الماضي، إن المهم الآن هو المستقبل، ولن يحكم عليك أحد بعد اليوم إلا بأعمالك المقبلة".

ومن سخرية القدر أن يحل وفد من مدينة التهامي لكلاوي نفسها، مراكش، لكن بتاريخ 31 يناير 1984 على القصر الملكي طالبا العفو والرضا، هذه المرة ليس من محمد الخامس بل، الحسن من الثاني، ملتمسا منه زيارة مراكش، حيث تقدم الكاتب العام للمجلس العلمي لمدينة مراكش طالبا العفو الملكي عن أعمال "الطيش والخفة"، فما كان جواب الملك بعد البسملة إلا أن قال: "يجب على أهل مراكش كما يجب على جميع مدن المغرب أن يعلموا أن ملك المغرب يعد نفسه الأب وينصب نفسه كأب على عائلته الصغرى وأسرته الكبرى، وهذه التسمية ليست رمزية بل هي تقتضي واجبات وتقتضي حقوقا. ومن أوجب الواجبات أن نرعى رعايانا بكل ما يجب من التضامن والمحبة والرضا، من واجباتنا أن نلفت نظرهم حينما يخرجون عن الجادة".

وفي السياق نفسه، وعلى إثر أحداث تطوان والناظور والحسيمة في السنة 1984 نفسها، توجهت وفود هذه الأقاليم إلى القصر الملكي بالرباط فخاطبهم الحسن الثاني قائلا: "ترددت قبل أن أوافق على استقبالكم لسبب واحد هو أنني اعتبرت أن ما وقع ما كان يستحق مجيئكم كلكم لتؤكدوا لنا إخلاصكم. وبالطبع وككل رب عائلة وجدت في نفسي شيئا من القلق بالنسبة لما وقع لسبب واحد وهو أنكم تقعون جغرافيا في شمال المغرب، إنكم أنتم المرآة التي تقابل أوروبا، هذا هو الذي أثار غضبي بالنسبة لكم، أما أقاليم الشمال وأقاليم الوسط وأقاليم الجنوب، فهي مكونة من بشر ومن مواطنين يخطئون ويستغفرون الله فيتوب عليهم، فكلكم أبنائي وأنا مطوق بأن أسهر عليكم وأخدمكم".

وعلى إثر الإضرابات التي عمت المغرب سنة 1970 التي كان يتزعمها التلاميذ والطلبة والأساتذة والمعلمين، والتي أدت إلى اعتقالات وتوقيفات في صفوف رجال التعليم، وتزامنت مع يوم عيد العرش، توجه الملك في خطاب 15 مارس من السنة نفسها ليعبر عن عفوه قائلا: "بهذه المناسبة، أود أن أقول لكم إنني توصلت من الأساتذة والعمداء من جهة، ومن آباء التلاميذ من جهة أخرى، بملتمس للعفو عمن أضربوا من الثانويات ومن المدرسة الإدارية، منطقيا ليس لهم الحق، وأنا ليس لي حق لكي أسمح في حق واحد من حقوق الدولة".

وإلى هذا الطرح الذي توصل إليه النظام، ما العمل؟

فإذا كانت واجبات إمارة المؤمنين لا تخول للأمير أن يتنازل عن حفظ الأمن الذي هو من أوجب الواجبات، لأنه متعلق بحياة الأمة، والملك هنا لا يعلق عدم الإمكانية بالرجوع إلى الدستور؛ لأن ذلك ممكن، ولكن يوقفها على عقد البيعة الذي لا يمكن للإمام التفريط في واجباته، رغم أن دستور 1962 في الفصل 34 منه ينص على أن "الملك هو اللي عندو الحق باش يعفو على المساجن"، وينص الفصل نفسه من دستور 1996 على أن "يمارس الملك حق العفو". وعليه، فالملك سيجد حلا لهذه المعضلة باللجوء إلى تفعيل آلية "السلطة الأبوية"؛ حيث يقول: "ولكن عاطفيا لأنني حتى أنا رب عائلة ولأنني أعرف أن هذه الإضرابات خلقت في جو خاص، على كل حال أقول.. عفا الله عما سلف".

وأمير المؤمنين باعتباره "أبا" للجميع يمكنه العفو حتى على أولئك الذين عارضوا الوحدة الترابية والنظام الملكي: "إنه بإمكاني العفو حتى بالنسبة لعدد قليل من المحتجزين السياسيين المعارضين لوحدة التراب الوطني وللنظام الملكي". وعليه، سيعفو الحسن الثاني على الذين حاربوا في الجهة الأخرى.

والحسن الثاني أمير المؤمنين يحيل في هذا الإطار على المرجعية الدينية تارة، وعلى المرجعية التاريخية تارة أخرى، حيث كان السلاطين يعفون عن العصابات ورؤوس "الفتنة" فرادى وجماعات حفاة يتقدمهم الصبيان حاملين لألواح كتبت عليها آيات قرآنية، "سأقول لهم إن الحسن الثاني ملك المغرب وخادمه ابن محمد الخامس تربى في مدرسة أبيه، وأبوه تربى في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم جده المطهر، وما هي مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للأقارب؟".

يضيف الملك مجيبا: "يروي التاريخ والسير أنه بعد فتح مكة لجأ المنافقون والكافرون إلى الكعبة وستارها وتشبثوا بها، وجاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم: "يا معشر قريش ماذا تظنون أنني فاعل بكم؟" فقالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال صلى الله عليه وسلم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

"ولا يمكن لحفيد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن يسير على نهج جده ورسوله الكريم، لأن كل بلد يحترم نفسه لا يمكنه أن يبني مستقبله على الأحقاد والضغائن. لذا، لا نؤاخذ أحدا. ليطمئن الجميع، المغرب له من التراث التاريخي ومن معالم التاريخ ما يجعله قادرا على أن يفك كل معضلة".

إن هذه "السلطة الأبوية" التي يمارسها النظام تعمل على صهر ثلاثة مرجعيات، دينية وتقليدية وقانونية، جاعلا من المؤسسة الملكية "مؤسسة المؤسسات"؛ حيث يضيف أن "هذا الدور الأساسي الخطير أوكلته التقاليد المرعية على مدى العصور إلى ملك المغرب وكرسه الدستور في مقتضيات أقرتها إرادة الأمة التي جعلت من العرش مؤسسة المؤسسات ومن النظام الملكي النظام الوطني الثابت للأمة".

وهكذا سترخي السلطة الأبوية بظلالها على الأحزاب السياسية التي زعاماتها بدورها تمارسها على مناضليها وقواعدها؛ بحيث يمثل زعيم الحزب صورة الأب ومثاله الزعيم علال الفاسي عن حزب الاستقلال وعبد الله إبراهيم عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والمقاوم بن سعيد آيت إيدر عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سابقا. فهل كانت القواعد الحزبية تستطيع رفع أعينها في هؤلاء؟

والحسن الثاني لا يميز بين أبناء الأمة داخل هذا إطار السلطة الأبوية بناء على المعتقد السياسي أو الديني، فاليهود المغاربة هم كذلك تمتد إليهم عنايته الأبوية؛ حيث توجه إليهم بخطاب قال فيه: "فعلا أنتم أبنائي، لأن البيعة تعني قبل كل شيء أن هناك رباطا قويا وعائليا بين كل مغربي وملك المغرب، وهذه البيعة لا تنحصر في أعناق المسلمين بل هي بيعة كل واحد يقول إنه مغربي وبالأخص الديانات الأخرى وبالأخص اليهود الذين هم مغاربة أبا عن جد منذ قرون أو آلاف السنين".

ومن أقوى اللحظات التي تجلت فيها هذه السلطة الأبوية التي مارسها النظام لحظة وفاة الملك الراحل الحسن الثاني المفاجئة سنة 1999.

عبد الرحمان شحشي

*أستاذ علم السياسة والقانون الدستوري بكلية الحقوق – جامعة الحسن الأول بسطات