يتحرك العالم بخطوات متسارعة نحو صدام عالمي واسع، فقد رأينا في الأيام الأخيرة اجتماعا غير مسبوق لأربع دول عظمى هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا لإدانة روسيا بزعم استخدامها سلاحا كيماويا من أسلحة الدمار الشامل في قتل جاسوس روسي سابق. كانت أفرجت عنه منذ سنوات في صفقة تبادل مع بريطانيا، وبعيدا عن ملابسات الحادث الغامض، فإنه يؤشر لمدى سخونة الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وحلفائها ضد كلا من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، وكان مجلس الأمن قد اجتمع قبل أيام لمحاولة استصدار قرار يدين كل من روسيا وسوريا بخرق قرار الهدنة في غوطة دمشق الشرقية، وفي كلتا الجلستين شاهدنا كيف وصلت الأمور إلى حد توجيه أقسى العبارات والاتهامات، وخارج أروقة مجلس الأمن كانت المعركة السياسية أشد سخونة. وتساقطت قذائف العقوبات على القيادة الروسية من الولايات المتحدة وحلفائها، بينما كان وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف يؤكد اعتزام روسيا مساعدة الجيش السوري في القضاء على كل الإرهابيين في غوطة دمشق وغيرها من أماكن وجود الإرهابيين، في تحد صارخ للإرادة الأمريكية، التي كانت قد هددت باستخدام القوة بشكل منفرد ضد الجيش السوري في حالة عدم صدور قرار من مجلس الأمن بوقف فوري لإطلاق النار على الجماعات المسلحة في الغوطة، لكن قيادة الجيش الروسي توعدت بالتصدي لأي هجوم أمريكي على سوريا، وأجرت مناورات ناجحة على صواريخ تفوق سرعة الصوت 10 مرات، وأرسلت أول سرب من طائراتها المتطورة سوخوي 57 إلى قاعدة حميميم الروسية في سوريا، وخرجت تسريبات عن إرسال أول إنتاج روسي من منظومة الدفاع الصاروخي إس 600 إلى سوريا، والتي ظلت قدراتها سرية حتى الآن، وتفوق نسختها من منظومة إس 500 الأكثر تطورا في العالم.

لم تكن الصين بعيدة عن الأحداث الخطيرة والمتسارعة، فقد تخلى الرئيس الصيني عن استخدام العبارات الدبلوماسية، ودخل ساحة العراك السياسي بشكل مباشر ونادر، مشيرا إلى ارتباط الصين مع روسيا في تحالف قوي، وأن الصين سترد بقوة على الحرب التجارية التي تشنها الولايات المتحدة، وخرقت فيها اتفاقية التجارة الحرة، بفرض قيود جمركية على واردات مهمة، والتي قالت إنها سوف تتسع لتشمل الكثير من السلع الصينية التي تستوردها الولايات المتحدة.

هذه الأجواء المفعمة بالتحدي والمضي في الصدام تؤكد أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للتراجع عن احتكارها القرار الدولي،، بينما الصين وروسيا عازمتان على إنهاء الهيمنة الأمريكية مهما تكلف الأمر، وتذكرنا هذه الأجواء بالأوضاع التي سبقت الحربين العالميتين الأولى والثانية، ففي الحرب العالمية الأولى برزت كل من ألمانيا وإيطاليا كدولتين قويتين بعد تحقيق وحدتيهما، تحدوهما الأمل في الحصول على مكانة تناسب قوتهما، بينما كانت كل من بريطانيا وفرنسا تقتسمان العالم، وترفضان أن يشاركهما أحد في تسييره، وجرى التقارب بين بريطانيا وفرنسا ومعهما النمسا لمواجهة المارد الألماني الصاعد بتطوره الاقتصادي والعسكري المقلق، والمتحالف مع إيطاليا وروسيا.

وكانت دول البلقان في أوروبا في حالة تشرذم وانقسام واستقطاب تشبه أوضاع المنطقة العربية حاليا، ولهذا كانت المسرح المناسب لانطلاق شرارة الحرب العالمية الأولى، بحادث اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو. كما يذكرنا إفراط الولايات المتحدة في تطبيق عقوبات اقتصادية، وشن حرب تجارية بمعاهدة فرساي التي فرضت عقوبات مذلة على الشعب الألماني، واقتطعت أجزاء من أراضيه وسواحله، وقيدت صناعاته وجيشه، مما ألهب الروح القومية وتسبب في صعود النازية.

إن صعود اليمين المتطرف في الولايات المتحدة وأوروبا يؤشر إلى عمق الأزمة، لكن هذا اليمين العالي الصوت عاجز عن إيجاد حلول حقيقية لتلك الأزمة، ولا يجيد سوى بث المزيد من التعصب القومي وكراهية الأجانب، بما يهيئ لشن الحروب، لكن الولايات المتحدة تخشى هزيمة قاسية إذا ما أقدمت على صدام واسع، فقد خسرت كل حروبها السابقة، منذ تدمير مقر المارينز في لبنان عام 1983 والخروج المهين من لبنان وبعده أفغانستان والعراق وأخيرا التعثر في سوريا، ولهذا اعتمدت الحروب بالوكالة مع الحروب الدعائية والسياسية التي برعت فيها، حتى إن التفوق الجوي الذين كانت تتباهى به أصبح مهددا بالسوخوي 57 ومنظومات صواريخ إس 300 و400 و500 وأخيرا 600، والثقة الروسية في قوتها العسكرية بفضل القاعدة الصناعية والبحثية الآخذة في التطور السريع، مع اندفاعها إلى الأمام اعتمادا على الغاز الروسي، وكذلك الصين صاحبة أكبر فوائض مالية، واقتصادها الأكثر نموا، والتي تبني حاملة الطائرات الثالثة لتنهي التفوق الأمريكي، وإذا راهنت أمريكا على القوة العسكرية لإبقاء هيمنتها فلن تجني هي والعالم سوى الخسائر الفادحة.


مصطفى السعيد