هي المهمة الأصعب في الكتابة ، وهي الفعل الذي يكاد ان يقارب المستحيل لنقل وقائع وحيثيات وهموم القدس التي تئنّ تحت وطأة التخريب والتدمير الممنهج لكل ما هو مقدسي عروبي يتمنطق بلغة الضاد في ملامسة ما يسمى بالمحرمات والخطوط الحمراء.

فحينما يكون الحديث عن القدس لابد لك وانت تهم بفعل صناعة المقال وحياكة الحروف من ان تتذكر انك تكتب عن العتيقة بكل ما تحمله من معاني ورموز لها الكثير من الدلالات... ولابد وانت تمارس فعلك الكتابي ان تتذكر ان لا مجاملة والقدس، وأن للقدس عليك حق كشف المستور ومحاولة وضع النقاط على الحروف .

والمشكلة تكمن في انك وانت تمارس هذا النوع من التقريع وهذا الشيء من الفعل وهذا الضجيج جراء قرع جدران الخزان سيغضب منك الكثيرون، لذلك لابد من ان تنتقي الكلمات وان تبحر ما بين الحروف محاولا الإيماء، وحتما لابد ان لا تلجأ لنوافل الكلام حتى تكتب عن القدس ، وبكل الإتجاهات ستجد نفسك مبحرا بالكثير من الشجن والحزن والهم.

مرة اخرى نجد انفسنا أمام الفراغ في القدس، وأمام استعراضات وفبركات تدعي حرصها على القدس وعلى عروبتها، وفعل الأسرلة والتهويد واستباحة كل القدس بات العنوان الأعرض والأشمل في المشهد المقدسي السرياني الفسيفسائي المعقد، جراء زحمة قضايا القدس، وتراجعها من أولويات أولويات الإهتمامات العملية والفعلية في الأجندة الوطنية الفلسطينية الرسمية وتلك العربية الحاكمة.

وراعي العربدة والبلطجة في العالم، سيد البيت الأبيض، اعلنها واضحة صريحة غير قابلة للتغير أو التفسير فالقدس عاصمة ( شعب الله المختار .. ) معلنا بذلك الحرب الشعواء على لسانها العربي وتاريخها الحضاري ، وأصحى للقرن صفقة من بوابة القدس يكون عبورها ، وسارعت المؤسسة الاحتلالية بالمباشرة بترجمة أولى لبنات العصر وصفقته فعلا واقعيا لا مواربة فيه ، وباشرت بسن القوانين بكل القراءات الممكنة ، وأطلقت العنان لغولها بافتراس إنسانية الانسان بالقدس وازقتها وحواريها حتى تصبح الحياة فعلا غير ممكن ... وقبلة الله الأولى كانت أن أعلقت أبوابها، وجلجلة اليسوع اوصدت قلاعها، والطفولة ما زالت المتسللة لثنايا اللحظات تحاول ان تلهو بعيدا عن المدجج بالحقد عند كل زاوية.

وسيد كهنوت العالم اختار الموعد الدقيق في حسابات الترويج والاعلان في ظل الاستهانة والاستكانة والانقسام العربي والفلسطيني والاختلاف ما بين أقطاب الوجودية العربية وبذكرى فعل النهب للبشر والحجر في الأرض السمراء سيكون تدشين وافتتاح البيت الجديد للولايات المتحدة بالقارة المُكتشفة منذ عشرات السنين ... وبذلك كان وسيكون إناره الضوء الأخضر لتل ابيب ان تبدأ بسن القوانين والتغول على الهندي الأحمر الجديد في ايلياء بهدف اقتلاعه واحالته الى كم مهمل على هامش الانسانية وأقلية تحاول العيش في الحواري والأزقة المهملة من الكل والكل هنا يعني الكل ( اقطاب المعادلة الوطنية الفلسطينية والعرب العاربة ورعاة الدين الحنيف واباطرة القانون والقوانين وحقوق الانسان و ... )

والمشروع الوطني يترنح ، «واورسالم» غائبة مغيبة عن فعل التحدي وإسناد مجانينها وعشاقها، بل ان هذا المشروع قد غابت ملامحه واضحى سراباً في وقائع اللحظة الراهنة وامراء المنصة يتسابقون ويعدون العدة لمرحلة ما بعد الضياع، والقدس حجر الزواية بالاصطفافات او هكذا يجب ان يكون قد صار اسمها «اورشليم» العظيمة ... ( ومعذرة للطمة المباشرة .. وللحقيقة المرة.. وللمشهد السوداوي.. ولبشاعة اللحظة ...)

والمواطن بالقدس أضحى لا هم له إلا بإبتداع كل السبل والوسائل الممكنة وتلك غير الممكنة أو المتاحة ليبقى قابعا ببيت المقدس أو بأكناف بيت المقدس. في محاولة منه للبقاء ليس أكثر والكل يطالبه بفعل الصمود والبقاء وفعل البقاء والتمكين .. وهذا الفعل لابد له من مقومات ولابد له من أسباب من الضروري توافرها وتوفيرها وتحقيقها حتى يستوي فعل الصمود ليقبع المقدسي ببيت المقدس ..

ويظل السؤال الأكبر: ما السبيل للخلاص واعادتنا للقدس وإماطة اللثام عن مرحلة العجز ...؟؟ حيث ان كل المؤشرات تؤكد تراجع البرامج التي من شأنها تعزيز المفهوم الوطني العربي بالتفاصيل اليومية في القدس.

و لا شك ان خلق وقائع وطنية في القدس من شأنه الإسهام في الإبقاء على جذوة الصراع على القدس، وفي القدس وأخشى في هذا السياق ان الوقائع الإسرائيلية المفروضة قسراً قد كسبت جولات عديدة بهذا الشأن سيما ما بعد إقامة جدار الفصل العنصري الذي أصبح التعامل والتعاطي معه كجزء من سياسة الأمر الواقع، تلك السياسة التي اعتمدتها كافة الدوائر الإسرائيلية في مسلسل إطباق سيطرتها بالكامل على القدس. وهو الأمر الأخطر الذي يقودنا الى ان فرض الأمر الواقع اسرائيليا وعدم مجابهته بسياسات الأمر الواقع فلسطينيا، ايضا قد بات طريقا ذا اتجاه واحد يؤدي الى القدس الإسرائيلية ذات المعالم اليهودية، التي يعيش بأطرافها أقلية عربية من الضروري الإبقاء عليها وفقا للفهم الإسرائيلي حتى يكون بالإمكان أن تدعي اسرائيل أنها تحترم الأديان والتعددية في القدس.

وهذا ما عملت وتعمل عليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بمعنى أنها كانت قد امتلكت الرؤية الإستراتيجية للمُراد من القدس وباشرت بالفعل التنفيذي منذ اليوم الأول لإحتلال القدس. وكانت ان استغلت حالة الفراغ الوطني والعروبي والاسلامي والمسيحي وغياب الخطط ذات الأبعاد العلمية والعملية والمرتبطة بالأجندة الفلسطينية وتحديدا خطط ومخططات السلطة الوطنية وغياب وتغييب الوجود المقدسي عن دائرة الإهتمام حتى فيما يخص فعل الإستثمار الإقتصادي المرتبط بالفهم الوطني للفعل الإستثماري الذي من شأنه ان يساهم في معركة الوجود العربي في القدس مع الأخذ بعين الإعتبار تعقيدات الإستثمار ووقائع العملية الإقتصادية ذاتها في القدس جراء السياسات الإسرائيلية بهذا الشأن.

كل هذا ومع العلم المسبق لدى الكل الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي نجد أننا لا نعمل سوى القليل القليل من حالات الإعلان اليومي بالصحف عن مشاريع اعلامية اعلانية لما يسمى بمسؤولي المدينة والمتربعين على عرش تصريحاتهم والمحذرين بالتهديد والعويل الإعلاني الإعلامي بهدف تمظهرهم بمنطق الحضور الكثيف اعلامياً ومن يتابع ويقرأ تصريحات هؤلاء يعتقد انه أمام حركة دائبة ودؤوبة في القدس تقض مضاجع الاحتلال وبرامجه مع ان الواقع المقدسي مخالف تماماً لما يبدو بخلفية المشهد الإعلاني الإعلامي هذا.

لا شك أن معطيات اللحظة الراهنة في القدس تؤكد ان الواقع الحالي بدأ بالاستسلام للأمر الواقع حيث التعاطي بالشأن الحياتي الطبيعي صار يأخذ الشكل الدراماتيكي بالتعامل مع المؤسسات الاسرائيلية ذات الشأن وعلى مختلف الصعد والجبهات فإذا ما اتجهنا صوب العملية التعليمية نلاحظ ان هذه الجبهة قاب قوسين أو ادني لإستكمال الفعل التهويدي الكامل المتكامل حيث ان فرض المنهاج الاسرائيلي على المدارس العربية قد اصبح الحقيقة، والمواجهة هنا مقتصرة حتى اللحظة على عقد المؤتمرات الصحافية وعقد ورش العمل من قبل منظمات «الآن جي اوز» ودعوات خجولة تصدر من هنا اوهناك في ظل انهيار فعلي وحقيقي في المسيرة التعليمية على الجبهة الأخرى مما يهدد انهيار جهاز التعليم الوطني جراء غياب الخطط الإستراتيجية ذات الامكانيات الداعمة لها ودوافعها الحقيقية التي من المفروض توافرها حتى يستطيع هذا الجهاز من الصمود وبالتالي من المواجهة.

وبالمقابل فان الفعل الاستيطاني وتكثيف قضم الأراضي الفلسطينية بالشكل العلني في ظل ما يشاع عن «صفقة القرن»، والقدس تتحول الى «اورشليم» بالشكل الفعلي مع اختفاء قسري للمعالم الفلسطينية العربية بالمشهد المقدسي عموماً.

ان القدس تعيش واحدة من أخطر مراحلها ولابد ان تكون وقفة فعلية وشجاعة لمواجهة ومجابهة وقائع القدس الراهنة والتصدي للمشروع (الاورشاليمي) وهذا يتطلب اولا اعادة صياغة منظومة التعاطي الفلسطيني مع هموم وقضايا المدينة على أساس وضع الخطط الكفيلة بمعالجة كافة القضايا بشيء من الاهتمام والرعاية وعدم الإهمال من قبل المؤسسات ذات العلاقة في المؤسسة الفلسطينية وبذات الوقت لابد من مواجهة الذات الوطنية والاعتراف ان ثمة انهيار فعلي وحقيقي في مداميك الحركة الوطنية الفلسطينية المقدسية الأمر الذي يهدد بالتالي امكانية مواجهة المشروع الاروشليمي بكل أبعادة وأهدافه.

ولابد من إعادة الاعتبار للمؤسسات المقدسية التي تم تهميشها وتفريغها من محتوياتها بقصد او بدون قصد جراء فعل التجفيف مما ادى الى تراجع في دور هذه المؤسسات على مختلف التوجهات والاختصاصات والتخصصات. ولابد من اعادة الاعتبار للدور الجماهيري الشعبي من خلال توفير السقف والحماية لها في حالة التواجة والمواجهة مع المشروع الاسرائيلي لا ان تذهب جماهير القدس لتواجه ولا تجد من يساندها ويدعمها.

فإن كان المطلوب التصدي لسياسة هدم المنازل وإيقاق مهزلة الهدم الذاتي فلا بد إذن من اسناد هذا المواطن وتمكينه من الصمود بوجه اليات وممارسات الاحتلال لا ان يتحول هذا المواطن الى مستجدي على أعتاب من يعتبر نفسه مسؤولا هنا او هناك.

وكانت قد طالعتنا وسائل الاعلام وتحديدا العبرية بأن نير بركات، رئيس بلدية الاحتلال في القدس، ومجلس إدارته يحضران للموافقة على الميزانية الحالية للعام 2018 والتي تعتبر أكبر ميزانية على الإطلاق وتصل قرابة 6 مليارات شيكل وحوالي 3 مليارات شيكل لميزانية التنمية. اي ما يقارب مليار وسبعماية مليون دولار، وهذا الرقم الضخم لموازنة بلدية ( اورشليم ) يتطلب من الكل الفلسطيني والعربي والاسلامي التفكر والتأمل فيه وبمنطلقاته.

أعتقد ان القدس تعيش مرحلة الخمس دقائق الأخيرة التي تفصلها عن ( اورشليم ) ... واللبيب لابد ان يفهم من الإشارة والاشارات كثيرة هذه الأيام، والسؤال يبقى: هل من لبيب حتى يلتقط حقيقة الواقع والمطلوب حاليا لنصرة من تسمى حتى الآن بالقدس-؟؟؟


يونس العموري