غالبا ما يفضل الناس العاديون أن تمتزج الأمنيات بالواقع من أجل أن لا يتمكن منهم كابوس اليأس.

في العراق وهو بلد منكوب منذ عقود، لا يملك الناس سوى أن يقاوموا اليأس بضراوة وإن كان ثمن تلك المقاومة باهظا.

عليهم أن لا يصدقوا كل ما يُقال عن فساد حكامهم وأحزابهم وقضائهم وحوزاتهم الدينية وجيشهم وكل ما يمت بصلة إلى دولتهم. فالفساد موجود في كل العالم. في أرقى الأنظمة الديمقراطية هناك فاسدون. اما مستوياته الكارثية في العراق فيمكن التغاضي عنها.

عليهم أيضا أن يرفضوا حقيقة أنهم صاروا من حيث لا يدرون مجرد أدوات تنفذ من خلالها أطراف معروفة مشاريعها الهادفة إلى تدمير ما تبقى من العناصر التي يمكن من خلالها التعرف على ملامحهم باعتبارهم شعبا واحدا يملك خصوصياته التي تجمعه كما هو حال كل شعوب العالم.

قبل الاحتلال الأميركي تعرض العراق عبر أكثر من خمسة عقود من تاريخه إلى محن عظيمة، غير أن أية واحدة من تلك المحن لم تكن لتهدد وحدته الوطنية، لا بالمعنى السياسي وحده بل وأيضا بالمعنيين الاجتماعي والثقافي. حتى أن مصطلح الأقليات لم يكن كثير الاستعمال، لا في أدبيات السلطة ولا في الاعلام الذي كان جزءا من تلك السلطة. اما حياة الناس وثقافتهم فقد كانتا مليئتين بكل خبرات العرفان لذلك التنوع.

غير أن الأمور لم تعد كذلك بعد أن فرض المحتل الأميركي مفهوم "المكونات" من خلال مجلس الحكم وصولا إلى الدستور الذي اقر ضمنيا أن العراقيين مجموعة من الأقليات. وكان تلك هي الباب التي انفتحت على نظام المحاصصة الطائفية والعرقية.

ولأن مصطلحي "سنة" و"شيعة" هما مصطلحان دينيان فقد بات الجزء الأكبر من الشعب العراقي يُعرَف بناء على مذهبه الديني. وهو ما يعني أن المحتل أعاد بناء المجتمع العراقي على أساس ديني.

لهذا برز مفهوم "أهل الذمة" وهو مفهوم لم يعرفه العراقيون في ظل الدولة الوطنية الحديثة التي تأسست في عشرينات القرن الماضي.

يذكر العراقيون أن وزير ماليتهم الأول كان يهوديا. كما أن واحدا من أكثر رؤساء وزارتهم شهرة كان كرديا. أما مؤسس أول فوج من جيشهم والذي كان يحمل اسم الامام المقدس لدى الشيعة "موسى الكاظم" فقد كان سنيا وغالبا ما كان محافظو البنك المركزي مسيحيين.

كان رئيس جامعة بغداد صابئيا ذات مرة.

كل ذلك يعني أن القانون العراقي يوم كانت هناك دولة حديثة لم يفرق بين مواطن وآخر على أساس الدين أو العرق بل نظر إلى الجميع متساوين في الحقوق والواجبات. كانت المواطنة هي المبدأ في الحقوق والواجبات.

اما في ظل الدولة الدينية التي فرضها المحتل على العراق حين وزع عربهم بين شيعي وسني فإن "أهل الذمة" وهو مصطلح ديني صاروا تحت الأقدام. لقد أرسلت الجحيم رسلها على هيأة ميليشيات للقتل في ظل معادلة ثلاثية الأبعاد "أما أن تدفع الجزية أو تعلن إسلامك أو تُقتل".

يكذب من يزعم أن داعش وحده قتل المسيحيين والايزيديين. لقد قتلت الميليشيات الشيعية المئات من المسيحيين والصابئة. ناهيك عن عشرات الالاف التي قتلت من السنة.

إن نظام أسلمة البلد بدءا من الإقرار بتوزيع سكانه بين الطوائف سمح بانهيار وحدته الوطنية فكان لزاما أن يقع الحد على غير المسلمين.

لن يكون في إمكان المسيحيين والصابئة والإيزيديين والشبك أن يجادلوا في مسألة مواطنتهم، ذلك لأن مصطلح المواطنة لم يعد موجودا.

لقد فقدو المظلة التي كانت تحميهم من الانتقام.

غير أن المفارقة تكمن في أن سنة العراق وشيعته وأكراده كانوا هم الآخرون قد فقدوا تلك المظلة.

لذلك فإن كل ما يقوله سياسيو العراق الموجودون في السلطة على أساس طائفي عن الوحدة الوطنية ما هو إلا نوع من تسويق كذبة، يُراد من ورائها إخفاء حقيقة أن العراق لم يعد وطنا لمواطنيه بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وعرقهم بعد أن تم تلويث وحدته الوطنية بسخام الطائفية.

 

فاروق يوسف