وصفت دوائر مقربة من قصر قرطاج اجتماع ما تبقى من الموقعين على وثيقة قرطاج بأنه "تمهيد لرسم خارطة سياسية جديدة مبنية على مفهوم أوسع للوحدة الوطنية قد تقود إلى تركيز تركيبة حكومية تقودها شخصية سياسية ندائية غير رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد".

وقالت الدوائر إن "قائد السبسي ضمن الرسائل التي وجهها خلال الاجتماع من خلال تشديده على "مفهوم الوحدة الوطنية" ومكانة اتحاد الشغل "هذا التوجه على أن يتم ذلك بعد تقييم دقيق لأداء الحكومة من قبل جميع الأطراف".

وشدد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على أنه لا معنى للوحدة الوطنية في ظل غياب إشراك القوى المدنية مشاركة جدية في القرارات التي تتخذها الحكومة خاصا بالذكر اتحاد الشغل خاصة وأن البلاد قادمة على إصلاحات ستلقي بتداعياتها الاجتماعية على الشأن العام.

ورأى مراقبون أن رسالة قائد السبسي مزدوجة، واحدة موجهة للنداء والنهضة المهيمنين على صناعة القرارات الحكومية وأخرى موجهة إلى الشاهد الذي توترت علاقته خلال الفترة القليلة الماضية مع المركزية النقابية القوية على خلفية محاولات تهميشه.

وقال سالم بن عمار أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التونسية "إن توقيت الاجتماع سواء لجهة النسق التصاعدي الذي أخذه خطاب اتحاد الشغل أو لجهة التحديات والاستحقاقات القادمة يشي بأن تونس باتت مرشحة لرسم خارطة سياسية مدنية جديدة".

وأضاف بن عمال وهو يتحدث لمراسل ميدل ايست أونلاين "إن انتصار قائد السبسي لاتحاد الشغل يستبطن نوعا من لفت الانتباه لا يخلو من تحميل كل من الشاهد والنداء والنهضة مسؤولية الأزمة السياسية وتجريد الحكومة من هويتها الوطنية".

ويرى اتحاد الشغل أن تدني أداء الحكومة لم يقد سوى إلى تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى درجة "تفكك مفاصل أجهزة الدولة"مطالبا بتركيز تركيبة حكومية جديدة بعيدا عن التجاذبات التي احتدت بين كل من النداء والنهضة.

وعلى الرغم من أن المركزية النقابية لم تجاهر بذلك فإن تسريبات تقول إن القيادات النقابية المتنفذة وفي مقدمتها نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد وسامي الطاهري الأمين العام المساعد باتت مقتنعة بأن يوسف الشاهد استنزف ما يكفيه من الوقت.

وتلتقي مواقف الاتحاد مع مواقف القوى السياسية المعارضة وفي مقدمتها الجبهة الشعبية والائتلاف المدني الذي يضم 11 حزبا لبراليا وعلمانيا إذ ترى تلك القوى أن أزمة البلاد التي ما انفكت تتعمق لا يمكن حلحلتها إلا من خلال إعادة رسم الخارطة السياسية.

ولا تخفي تلك القوى امتعاضها من السياسات التي يقودها الشاهد خاصة لجهة ارتهان القرارات الحكومية لسطوة النداء والنهضة على الرغم من أنها قرارات مصيرية تستوجب إشراك مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين في صياغتها وصناعتها.

واجتماع قرطاج الثلاثاء هو الثالث من نوعه الذي يخصص لتدارس الأزمة السياسية وتداعياتها من خلال مدى التزام الحكومة بتنفيذ بنود وثيقة قرطاج.

وحضر الاجتماع الذي رأسه قائد السبسي نجله حافظ ممثلا عن النداء وراشد الغنوشي عن حركة النهضة وسمير الطيب عن حزب المسار وسميرة الشواشي عن حزب الاتحاد الوطني الحر وكمال مرجان عن حزب المبادرة.

وإلى جانب ممثلي الأحزاب السياسي حضر الاجتماع نورالدين الطبوبي الأمين العام لاتحاد الشغل وسمير ماجول رئيس نقابة أرباب العمل وراضية الجربي رئيسة الاتحاد الوطني للمرأة ومعز زغدان ممثلا عن الاتحاد التونسي للمزارعين.

وفي أعقاب الاجتماع قال منجي الرحوي النائب بالبرلمان عن الجبهة الشعبية "إن أزمة تونس متعددة الأبعاد وهي في الأصل أزمة حكم" مشددا على أن "الائتلاف الحكومي لم يجتمع من أجل إيجاد حلول لتونس بل من اجل تحقيق مصالحه الخاصة".

وأضاف الرحوي في تصريحات لوسائل الإعلام يقول "اليوم النهضة والنداء نكبة على تونس ويتسببان في تأزيمها يوما بعد يوم" لافتا إلى أن "اجتماع قرطاج جاء في ظل هذه الأزمة لتعميقها" وإلى أن "أزمة الحكم ستتواصل في حال تواصل الائتلاف".

وتأتي تصريحات الرحوي التي تعكس في جانب منها مواقف الأحزاب السياسية المعرضة في إطار الدفع باتجاه تعميق الوعي بأن الأزمة السياسية هي أزمة حكم تستوجب خارطة سياسية جديدة تقودها القوى الديمقراطية المدنية بناء على المشهد السياسية المتعدد فكريا وسياسيا بما من شأنه أن يرسي مقومات التوازن السياسي.

غير أن الدوائر المقربة من قصر قرطاج "شددت على أن الاجتماع فسح المجال أمام مرحلة جديدة ستتضح ملامحها بناء على تقييم جميع الموقعين على وثيقة قرطاج لأوضاع البلاد وتشخيصهم للنسق التصاعدي الذي ما انفكت تأخذه الأزمة السياسية".

وكشفت الدوائر أن "قائد السبسي يسعى إلى اتخاذ مبادرة قد ترفع الغطاء السياسي عن حكومة الشاهد في حال تواصل الأزمة بناء على مفهوم موسع للوحدة الوطنية لتركيز تركيبة حكومية أكثر انفتاحا".