ما يميز السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الجديد، أنها تجاوزت الوسائل التقليدية (الحروب المباشرة...)، وأصبحت تعتمد على وسائل معاصرة (استخباراتية، عقائدية، فكرية، تكنولوجية...) بعيدا عن التدخلات العسكرية، التي ليست من الأولويات لديها في الشرق الأوسط، مقارنة بالأسلحة العقائدية والفكرية التي توتي ثمارها المرجوة بأقل الخسائر.

وهذه الوسائل المعاصرة التي تعتمد عليها السياسة الأمريكية لغرض بناء شرق أوسط جديد، منها ما هو قديم الاستخدام والتجريب، كخلق الحركات الإرهابية، ودعم سياسة إسرائيل، إلا أن الجديد الذي عرفته هذه الوسائل، أن الإدارة الأمريكية قامت بتطويرها، نتيجة اخذها الدرس من الأخطاء التي وقعت فيها هذه الوسائل، في بؤر التوتر الماضية (فيتنام،العراق، أفغانستان ..).

يمكن إذا القول أن الوسائل التي أصبحت تقوم عليها السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الجديد، ترتكز على ثلاثة عناصر أساسية : الحركات الإرهابية، الأقليات الكردية، سياسة إسرائيل.

الحركات الإرهابية:

تعتبر الحركات الإرهابية من الوسائل التي لا تزال تعتمد عليها السياسة الأمريكية، لبناء السياسة الجديدة في الشرق الأوسط الجديد، وفقا لتصوراتها البرغماتية، وذلك من خلال خلق ودعم الحركات الإرهابية (داعش، النصرة...)، بمساعدة الدول الإقليمية، لزعزعة استقرار كل من سوريا والعراق، كدول غير المرغوب فيها، لعدة اعتبارات أهمها :

- تمثل كل من سوريا والعراق مهد الحضارة العربية والإسلامية.

- رفض سوريا التعاون مع الإدارة الأمريكية في العدوان على العراق.

- تعتبر كل من سوريا والعراق دول عدوة بالنسبة لإسرائيل.

- تتوفر كل من العراق وسوريا على العديد من الأقليات، التي تعتبرها السياسة الأمريكية مهمشة، ويتعين الاستثمار في هذا التهميش، لتحقيق المصالح الأمريكية.

- مساندة كل من العراق وسوريا القضية الفلسطينية قولا وفعلا.

- كل من سوريا والعراق تشكل مركز نفوذ سابقا للإتحاد السوفييتي.

- كل من العراق وسوريا تعتبر من الدول المستقلة القرار، وهذا النموذج من الدول حسب السياسة الأمريكية يتعين تدميره، لكي يبقى عبرة للدول الأخرى، التي تفكر السير في نفس الاتجاه.

لهذه الاعتبارات وأخرى، قررت الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش، العدوان على العراق، أما سوريا فقد كانت سنة 2011، الظرفية المناسبة لتطبيق السياسة الأمريكية بها، تحت اسم دعم "الثورة السورية"، وجلب الحرية والديمقراطية لسوريا، في سياق "الربيع العربي".

وهذه نقطة تستحق أن نقف عندها قليلا، فلا تزال شعوب المنطقة، تصدق خطابات السياسة الأمريكية، حول جلب الديمقراطية للشعوب العربية والإسلامية، على الرغم من أن التاريخ في جميع الأحداث، يؤكد بأن التدخل الأمريكي في شؤون دول العربية والإسلامية، لم ينتج عنه إلا الدمار والخراب للأنظمة و الشعوب معا، وما وقع في العراق وليبيا خير دليل على ذلك، كما أن الديمقراطية التي تعد بها الإدارة الأمريكية الشعوب العربية والإسلامية مستغلة بذلك مشاكلها الداخلية، لا تستورد ولا هي حتى وصفة يتم تطبيقها أو نقلها من بلد إلى أخر، وإنما الأمر يتعلق بمسلسل من التراكمات الثقافية تستمر حتى يصل الشعب إلى درجة من الوعي، يمكن من خلالها أن يبني ثقافة ديمقراطية، تنعكس على مختلف مؤسسات الدولة.

فجميعنا نتذكر الأسباب التي فبركتها الإدارة الأمريكية لاستعمار العراق، حول امتلاك الرئيس صدام حسين " أسلحة الدمار الشامل"، وبفضل التأثير الإعلامي، الذي تم استخدامه لتمهيد التدخل الأمريكي لاستعمار العراق. وبعد مقتل أزيد من مليون ونصف مدني وتدمير حضارة عمرها يزيد عن سبعة ألاف عام، قالوا أنهم لم يجدوا أسلحة الدمار الشامل، نتيجة معلومات استخباراتية خاطئة، وبهذا الخطأ ذهب العراق إلى ما قبل التاريخ، فمن حاسب كل هؤلاء المسؤولين الأمريكيين الذين أمروا ونفذوا وشاركوا في الحرب؟ ! بل وعلى العكس من ذلك نتائج هذه الحرب شجعتهم لتكرارها في ليبيا باسم الديمقراطية، ومحاولة تكرارها أيضا في سوريا وإيران على الرغم من أن جميع محاولاتهم باءت بالفشل.

ونحن متيقنون بأن الإدارة الأمريكية، لو كانت متأكدة من امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، لما تجرأت أبدا على احتلاله، لأن الآلاف من الصواريخ النووية التي كانت لدى الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، هي السبب الذي منع الإدارة الأمريكية من الدخول في حرب مباشرة مع الإتحاد السوفييتي، وجعل الدولتين تعيشان في مرحلة توازن القوى، خشية كل طرف الدخول في حرب نووية كارثية.

ونحن نستحضر هذه المعطيات التاريخية لأخذ العبرة، لأن التاريخ يعيد نفسه في السياسات الدولية، حيث أن نفس سيناريو العراق كان سيتكرر عندما كانت الإدارة الأمريكية ستقوم بعدوان على سوريا، بحجة استخدام الحكومة السورية الغاز الكيميائي في قضية "خان شيخون"، لكن بريطانيا رفضت الدخول في الحرب نتيجة قناعة الشعب البريطاني لحقيقة حرب العراق التي تورطت فيها بريطانيا، والتي لعبت دورا حاسما في توجيه الرأي العام البريطاني، و بموجبه لم يأذن البرلمان البريطاني للحكومة المشاركة في العدوان الذي كانت الإدارة الأمريكية ستقوم به، وبناءا على هذا الرفض تراجعت الإدارة الأمريكية عن الدخول في عدوان على سوريا، لكن هذا التراجع كانت له حسابات أخرى لدى الإدارة الأمريكية، حيث كانت تعتقد أن الحركات الإرهابية التي صنعوها ودعموها ستنتصر على الحكومة السورية، وبهذا ستحقق الإدارة الأمريكية طموحاتها بدون الدخول في العدوان العسكري المباشر، لكن التدخل الروسي بطلب من الحكومة السورية قلب موازين القوى، حيث في سنة واحدة حقق ما لم يستطيع تحقيقه التحالف الدولي، الذي يتكون من أكثر من ستين دولة لمدة تزيد عن أربع سنوات، وهذه المقارنة تكفي للحكم على أن التحاف الدولي الذي أنشأته الإدارة الأمريكية ضد ما يسمى "داعش"، مجرد تمويه قامت به، لكي تظهر في صورة محاربة الإرهاب، الذي تقف وراءه، ويكفي فقط أن نشير إلى اعترافات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون" في مذكراتها المنشورة تحت عنوان "الخيارات الصعبة".

كما أن نفس السيناريو تكرر عندما قامت مندوبة الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة "نيكي هيلي"، بعرض هيكل صاروخ ادعت أنه صاروخ قام "الحوثيون" بإطلاقه على الرياض، والذي يحمل عبارات تحيل الى أنه من صنع إيراني، وهذا حسب رأيها دليل لتوريط إيران في صراعات المنطقة، لذلك دعت العالم إلى حشد تضامنه ضد إيران. إن تحليل هذه الإدعاءات يجعلنا نخلص إلى أنها تتضمن مفارقات كبيرة، حيث، كيف يعقل للإدارة الأمريكية أن تثير ضجة على بعض الصواريخ التي يطلقها "الحوثيون" دفاعا عن عدوان خارجي، ولم تهتم في المقابل بالعشرات من الغارات التي يقوم بها العدوان السعودي والتحالف التابع له، لأزيد من ألف يوم على الشعب اليمني، أدت إلى قتل الآلاف من القتلى !وبالتالي هذه الادعاءات هي مجرد خطابات ديماغوجية تفتعلها السياسة الأمريكية لتهييئ الرأي العالمي، إلى قبول ومساندة سياستها، التي تهدف إلى عزل إيران إقليميا ودوليا.

الأقليات الكردية :

بعد ما فشلت السياسة الأمريكية، في تحويل سوريا إلى دولة فاشلة مثل ليبيا عن طريق الحركات الإرهابية، ونتيجة ما حققت الدولة السورية من انتصارات ميدانية مع حلفائها على الإرهابيين، جعل أعدائها يعيدون النظر في سياستهم ويفكرون في وسائل جديدة لتنفيذ مخططات، تكون أكثر فاعلية لتقسيم سوريا باسم الديمقراطية.

وبعد فشل مخطط داعش، واستخدام الأسلحة الكيميائية لإسقاط الدولة السورية، هذه المرة اختاروا الأقليات الكردية الموجودة في سوريا، وسلطوا الضوء عليها إعلاميا وسياسيا وعسكريا، لتكرار تجربة إقليم كردستان العراق في سوريا.

والتساؤل المطروح هنا : لماذا تدعم الإدارة الأمريكية أكراد سوريا بالضبط في هذه المرحلة ؟

يمكن أن نقول أن الأقلية الكردية تعتبر المخطط الرابع الذي استخدمته السياسة الأمريكية لإسقاط سوريا، وذلك لمحاولة استنساخ التجربة العراقية في سوريا، والتمهيد لتقسيم سوريا باسم الديمقراطية.

وفي نظرهم هذه الآليات يمكن لها أن تحقق ما عجزت عنه الحركات الإرهابية، وقد وقع الاختيار على الأقلية الكردية في سوريا، وتوفير كافة أنواع الدعم والتسويق لها، على المستوى الداخلي والخارجي.

لكن المسالة التي لم ينتبه لها واضعو السياسة الأمريكية، هي أن الدولة التركية الحليفة الإقليمية للإدارة الأمريكية، تتوفر أيضا على مكون واسع من الأكراد، وبعد ملاحظة تركيا لما قام به الأكراد في العراق، وما يحاولون القيام به سوريا، على مقربة من الحدود التركية، رأت في ذلك تهديدا للأمن القومي التركي، لذلك هددت بالتدخل عسكريا ضد أكراد سوريا، إذا استمرت الإدارة الأمريكية بدعمهم.

كما أن إيران بدورها تتوفر على أقلية من الأكراد، والتي لاحظت بدورها أنها معنية بالموضوع أيضا، لذلك تحالفت مع تركيا لمواجهة المخطط الجديد لتقسيم الشرق الأوسط، وهذه المسألة لم ينتبه إليها واضعو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الجديد، حيث أن هذه الأخيرة ساعدت على تقارب كل من تركيا وإيران وروسا، التي شكلت تحالفا إقليميا جديدا في الشرق الوسط، حلت فيه روسيا محل الإدارة الأمريكية، التي لم تعد تحظى بأي ثقة من قبل الدول الإقليمية بل وحتى من قبل حلفائها كتركيا، كما أن التقارب الإيراني –التركي- العراقي، لعب دورا مهما في وقف مخطط تقسيم العراق، و إجهاض دولة كردستان العراق.

وبعد التراجع الذي عرفته السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، في مقابل التقدم الذي عرفته السياسة الروسية، تحاول الإدارة الأمريكية، أن تفرض نفسها في سوريا، من خلال سياسة الأمر الواقع، وهو ما يفسر الوجود الأمريكي الحالي في سوريا، الذي ليس له أي أساس قانوني يبرره، لا من قبل الأمم المتحدة أو من قبل الحكومة السورية، ويعتبر وفقا للقانون الدولي، عدوانا ومسا بسيادة الدولة السورية.

لكن ما تجدر الإشارة إليه أن مساندة الإدارة الأمريكية، للأقلية الكردية في العراق وسوريا ليس لان الأكراد يمارسون حقهم في تقرير المصير، فهذه مجرد ذريعة لإخفاء السبب الحقيقي، المتمثل ليس فقط في ضرب وحدة العراق، بل أيضا لاعتبارات إستراتيجية لإسرائيل، تتمثل في خلق مركز نفوذ لإسرائيل في كردستان شمال العراق، تحديا للنفوذ الإيراني في لبنان وسوريا.

لذلك فمعارضة تركيا وإيران لمشروع الدولة الكردية في الشرق الأوسط، يأتي نتيجة قناعتهم بهذه المخططات التقسيمية التي بدأت في العراق ومرت بسوريا ويمكن أن تطال بلدانهم أيضا.

وبالتالي فالأكراد في هذه المرحلة ليسوا إلا ورقة بيد الغرب لتحقيق مشروعهم التقسيمي للدول العربية والإسلامية، لبناء الشرق الأوسط الجديد.

أما بالنسبة لموقف الدول الغربية من تقرير المصير نلحظ فيه ازدواجية واضحة، حيث يؤيدون تقرير المصير عندما يؤدي ذلك إلى تقسيم الدول العربية( كالعراق وسوريا)، لكن عندما يتعلق الأمر بغير العرب، كاسبانيا مثلا، نجد جميع الدول الغربية ضد انفصال إقليم "كتالونيا" من اجل الحفاظ على وحدة اسبانيا، أما انفصال إقليم كردستان عن العراق، جميع الدول الغربية تقريبا لم تعارضه وطالبت فقط بتأجيله إلى حين انتهاء العراق من الحرب على داعش.

وهي نفس الازدواجية التي يتعامل بها الغرب مع الإرهاب في الشرق الأوسط، حيث أن تواطؤ الدول الغربية مع مواطنيها للانضمام إلى الحركات الإرهابية في تخريب سوريا والعراق وقتل الملايين من الأبرياء، سمحت به هذه الدول، لكن مسالة التي لم يفكر فيها المتزعمون لهذه الازدواجية، هي أن الإرهابيين بعد انتهائهم من القتال في سوريا والعراق، سيعودون إلى بلدانهم بأفكارهم وأفعالهم المتطرفة، التي نتج عنها العديد من الأحداث الإرهابية في الدول الغربية، وهذا بسبب السياسية الفاشلة للغرب في الشرق الأوسط، التي يتحمل نتائجها ألان.

سياسة إسرائيل:

من الأعراف المسلم بها في السياسة الأمريكية، هي دعهما المطلق للسياسة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، لكن اغلب الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية، كانوا يمارسون هذا الدعم فقط في الكواليس، لكي لا يؤثر ذلك على دورهم في تمثيل لعب دور الوسيط النزيه في حل القضية الفلسطينية، لكن مع الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، اخرج الدعم المطلق الذي كان يقوم الرؤساء السابقين، من السرية إلى العلنية، ليعلن أن القدس عاصمة لإسرائيل، و نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

والظرفية التي جاء فيها هذا القرار ليست صدفة، لان الصراعات التي تعيشها الدول العربية والإسلامية فيما بينها، شجعت الإدارة الأمريكية على استغلال هذه الصراعات، وقد أكدنا ذلك قبل صدور هذا القرار في مقالنا المنشور بالجريدة الالكترونية " سيريانيوز " (http://syria-news.com/dayin/mosah/readnews.php?id=12992)، بتاريخ 2017-08-03، تحت عنوان" الصراعات الإقليمية...خدمة مجانية لإسرائيل "... بأن الصراعات الإقليمية، التي تتخبط فيها الدول العربية حاليا، جعلت القضية الفلسطينية، مغيبة على صعيد الأجندات السياسية للأنظمة العربية... والمستفيد من الصراعات بين الدول العربية والإسلامية هي إسرائيل، مادامت تمنع توحد المسلمين، الذي يشكل عائقا أمام الوجود الإسرائيلي... الصراعات الإقليمية، تعني أن هناك خريطة جديدة تتشكل"، وفي هذا السياق جاء قرار الإدارة الأمريكية، نتيجة قناعاتها، بأن الصراعات القائمة ما بين الدول العربية والإسلامية، والمشاكل التي تواجها أو متورطة فيها هذه الدول هي الظرفية المناسبة لتمرير هذا القرار.

كما أن خيانة الأنظمة العربية للقضية الفلسطينية، ساهم هو الأخر في تمرير قرار الإدارة الأمريكية، حيث أن القضية الفلسطينية لم تعد من أولويات الأنظمة العربية، (كما كان الأمر في زمن الراحل جمال عبد الناصر)، وهنا نكتفي فقط بالإشارة إلى الطريقة التي تفاعلت بها الأنظمة العربية مع قرار الإدارة الأمريكية، الذي يعتبر كافي لإعطاء هذا الحكم، حيث دعت إلى اجتماع "جامعة التآمر العربية"، لوزراء خارجية الدول العربية بعد يومين من صدور القرار ، الذين أدانوا جميعهم القرار، لكن دون أن يصاحب ذلك أي إجراءات عملية لتجسيد القرار، كصحب السفراء أو تعليق العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إلى حين إلغاء قرار الرئيس الأمريكي، وهذا كان الحد الأدنى، الذي كان في استطاعة الدول العربية القيام به لتفعيل إداناتهم وإظهار حسن نواياهم.

لكن عندما قامت المؤامرة على العراق وليبيا واليمن و سوريا، هذه المؤامرة التي تعطيها الأنظمة العربية الاهتمام الخاص، والذي يظهر بشكل جلي من خلال الحضور الشخصي والمواظب للرؤساء في "جامعة التآمر العربية"، التي اجتمعوا وقرروا فيها ليس المنفعة العامة (كإعادة اعمار فلسليطين أو العراق أو سوريا، أو تقديم المساعدات الإنسانية إلى الشعب اليمني أو السوري...)، وإنما كل ما يخدم التأمر ضد إخوتهم العرب (العدوان على العراق وليبيا واليمن، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، وتجديد عضويتهما في "جامعة التأمر العربية...) لإرضاء الأجندة الخارجية، التي لا تزال العديد من الأنظمة العربية تراهن عليها أكثر من مراهنتها على شعبها، كيف يعقل أن تتخذ في دول عربية مثل هذه الإجراءات التآمرية وإسرائيل لا تتخذ في حقها !

والجواب على هذا السؤال، يشير إلى أن تعامل الأنظمة العربية مع هذا القرار بهذه الطريقة، يكشف أن هناك توافق سري بين بعض الأنظمة العربية والإدارة الأمريكية، التي أعطت لهذه الأخيرة الضوء الأخضر، لتمرير قرار الرئيس الأمريكي، في مقابل مساندة هذا الأخير الأنظمة العربية في الأزمات الإقليمية التي تتخبط فيها.

لكن خروج أبناء الشعب الفلسطيني، بصدورهم العارية لمواجهة رصاص الاحتلال الإسرائيلي، والشعوب العربية، والإسلامية بل وحتى الغربية، جعل الدول العربية في موقف محرج، مما جعلها تدفع باجتماع وزراء خارجية الدول العربية، للحفاظ على ماء وجهها أمام شعوبها، وما تجدر الإشارة إليه أن حضور الاجتماع وزراء وليس رؤساء الدول، وعدم اتخاذ إجراءات عملية ضد إسرائيل، باستثناء الإدانة، فيه العديد من الرسائل التي أرسلتها الدول العربية إلى العالم.

وفي النهاية، نود أن نشير إلا أن النتائج السلبية التي ترتبت على قرار الإدارة الأمريكية، يمكن أن يكون لها جوانب ايجابية، تتمثل في كونها، كشفت لنا المكانة الحقيقية التي تحتلها القضية الفلسطينية عند الأنظمة العربية، و ساهمت في توحيد الشعوب العربية والإسلامية حولها، ومادامت إرادة الشعوب قائمة، فإن جميع المؤامرات ستفشل، وستبقى القدس العاصمة الأبدية لفلسطين.

 

أحمد أهل السعيد


 

*طالب باحث في القانون العام