تعددت الرؤى حول أسباب الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية أخيراً، ولا زالت تمر بها، وهي أحداث فاقت في بشاعتها وعدم منطقيتها كل المفاهيم المنطقية، والرؤى العقلانية، وما زال المراقبون منقسمين حيالها، كل حسب قناعاته وخلفياته السياسية والثقافية.

لا يتوقف العنف في مفهومه الجدلي، بل يجعله سديماً يسكنه الموت والقتل والخراب، ويتعدى كذلك ليشمل العنف السياسي وإخضاع الغائية اللاعقلانية على الاختيار والفعل من خلال الدوائر العالمية الفكرية، وبخاصة المتخصصة في الدراسات السيكولوجية المتعلقة بتفكيك ونقد الاستشرافات والاستشراقات الإيديولوجية وزوابعها الفوضوية في تحولات الارتداد السلبي إلى الذات الواهية في تجذير العقل والواقع العام للشعوب، مما يسهل لهذه الدول إضعاف بعض الدول العربية بفعل القِوى ذات الأطماع التي تخفى على الجميع. وقد أسهمت هذه العوامل في تأجيج الأوضاع الداخلية، منها ما يتعلق بالتشنجات الاجتماعية والانقسامات العرقية الطائفية كما يحدث في العراق وسوريا وليبيا.

فالدول الكبرى تحاول أن تستفز كافة القِوى المعادية للعرب؛ للإبقاء على الأوضاع الراهنة التي يعيشها اليوم العالم العربي. ويكفينا أن نتأمل في السياسة الروسية والأمريكية تجاه المنطقة لندرك ذلك جيدا، خاصة بعد تحليل المبادئ الأساسية التي استندت إليها الاستراتيجيات السياسية تجاه هذه الدول. فأول تلك المبادئ تأمين بقاء دول العالم العربي حليفة لها. ولا عجب في ذلك، فالعالم العربي يشكل نقطة التقاء بين قارات العالم الثلاث (أوروبا وآسيا وإفريقيا)، وهو الممر البري والبحري والجوي بين أوروبا الغربية والدول الآسيوية، المتحالفة والغرب، وهو محاذٍ للجناح الجنوبي للحلف الأطلسي، ويوجد أيضاً في العالم العربي مضيق هرمز، والبحران المتوسط والأحمر، والخطوط البحرية إلى اليابان؛ أضف إلى ذلك ما تتمتع به منطقة الخليج العربي من مزايا استراتيجية واقتصادية بما تحويه من بترول ونصيبها من احتياطي البترول في العالم.

لا ريب أن الدول الكبرى ذات المصالح لن ترتاح البتة في التعامل بحسن نية، ولكن بالعمل على تغذية الروح الطائفية، وتفجير الصراعات، بحيث تؤدي هذه الصراعات إلى التشرذم والتناقض العدائي الذي يشكل جدلية الحياة، ويسهم في الاندثار الضميري لوحدة الأمة، ويفضي إلى زوال الحس الجماعي، وتناثر الجماعات والعشائر إلى طوائف، وتمزيقهم عرقياً وتفتيتهم طائفياً على كافة المستويات الطبيعية المحضة، بعوامل التجزئة، وبنسق من الآراء والتصورات والأفكار السياسية التي تجرد الإنسان من حماسته في الحياة، وأن تصبح حياته مرادفة للعبثية والضياع.

وهذا ما يحدث اليوم من سقوط بعض الدول العربية في حروب أهلية، وسقوط إيديولوجيات أمام التطورية، نظرياً وعلمياً، في منعطف حاسم في تاريخ الأمة العربية، حتى أصبحت هذه الدول مجرد فصل من فصول تاريخ الفكر السياسي لشعوب عاشت، وشرعت في الاضمحلال والتفكك وانتهت إلى الزوال؛ بعدما ارتكزت قواعدها وصيرورة مسيرتها على العبثية والظلامية، وأسقطت الديالكتيك الهيجلي بنزعها الطابع التاريخي الحي، فأسقطته على الفكر لمعالجة القضايا المصيرية المحددة في تواطؤ مفضوح من الإعلام المدفوع في نزوعه الجامح نحو السيطرة الكلية على العوالم الذهنية والنفسية والسلوكية، ويتم داخل دائرة التحريض والغمز واللمز، مما يمعن فيه إذكاء للفتنة بين الشعوب، وبما يؤدي إلى العنف الدموي الأهلي الذي يعد من أبرز ردود فعل الشعور بالدونية وبالروح الهلاكية التدميرية الميكانيكية العمياء، وبمنع استشراف المستقبل، أو الشعور بالحاضر بعد أن ارتطم بتجاوز كل رادع.

إن المتغيرات الكبرى المليئة بالأحداث المؤلمة والفقر والمرض والحروب ويوتوبيا الإرهاب معضلة حقيقية باتت شديدة الإزعاج، تمثل تحدياً هائلاً من تحديات العصر الملقاة على البشرية جمعاء، مما يجعل العالم بحاجة إلى أفكار العقلاء والمصلحين لينيروا قناديل الحكمة وآليات ثقافة التسامح في مسيرة الزمان.


محمد خليفة