برج بابل

تروي التوراة أنه:

كان لأهل الأرض كلّها لغةٌ واحدة وكلام واحد.

وقالوا: تعالوا نَبْنِ لنا مدينة وبرجًا رأسُه في السماء. ونُقِمْ لنا اسمًا فلا نتشتّتُ على وجه الأرض كلِّها.

ونزل الربّ لينظرَ المدينة والبرج اللذين كان بنو آدمَ يبنونهما.

فقال الربّ: ها هم شعب واحد، ولهم جميعًا لغةٌ واحدة! ما هذا الذي عمِلوه إلا بدايةً، ولن يصعُبَ عليهم شيء ممّا ينْوون أن يعملوه!

فلننزلْ ونُبلبلْ هناك لغتَهم، حتى لا يفهمَ بعضُهم لغةَ بعض (...).

تذكرت هذه القصة وأنا أشاهد حملة التلهيج التي تشنها هذه الأيام قناة تمازيغت (القناة الثامنة) على الأمازيغية إمعانا في بَلْبَلَتِها وفي تشتيت الأمازيغ حتى لا يفهم بعضهم "لغة" بعض؛ إذ يبدو أن الدولة-الرب لا يروقها أن يكون الأمازيغ شعبا واحدا ولهم جميعا لغة واحدة...

حين تُحوَّل أدواتُ البناء إلى معاول للهدم

من المسلم به أن لوسائط انتشار اللغات قديما وحديثا أثرا حاسما في بناء لغة أدبية مشتركة بين متكلمي فروع لغوية متفرعة عن جذع لغوي واحد. فقد اضطلع كل من المسرح والكتاب والمدرسة والصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون بدور أساس في تنميط وتعميم نماذج لغوية انطلاقا مما يجري على السنة المجموعة اللغوية من تنويعات لسنية، فكانت اللغات "الفصحى" المتداولة الآن من عربية وفرنسية وإسبانية وإنجليزية وإيطالية وكطلانية وفلامانية وغيرها.

وعلى ذكر الفلامانية، يؤكد اللسانيون المتخصصون أن للتلفزيون خاصة دورا رئيسا في نشر وتعميم السَّنَن اللغوي الذي صاغه اللغويون من التنويعات المنطوقة وفي جَعْلِه ينال القبول لدى الأذن الفلامانية؛ حتى إن الرواية المكتوبة بالفلامانية الموحدة يباع من طبعتها الأولى، وفي الأسابيع الأولى فقط من نشرها، ما يربو عن مائة وخمسين ألف نسخة، في منطقة لا يتجاوز سكانها ستة ملايين نسمة!

يقع هذا في لغة كان الفرانكفونيون البلجيكيون إلى وقت قريب يسخرون منها وينعتونها من أعلى عجرفتهم بـ"التّأْتَأة" (تُنظر ترجمتي لمقالة في جريدة "لوسوار" البلجيكية يتهكم فيها صاحبها على الحركة الفلامانية المطالبة آنذاك بالحقوق اللغوية للفلامانيين، تحت عنوان « Faut-il bégayer par amour du bègue ? » (هل يجب علينا أن نُتأتئ حبا للتأتاء؟)). لكن ذلك ما كان ليكون لو أن التلفزيون البلجيكي-الفلاماني عُهِد إليه بمهمة التفريق والتشتيت لا بمهمة الجمع والتوحيد، كما هو شأن "قناتنا الأمازيغة".

الرجوع إلى زمن "نشرة اللهجات"

وإذا كان النهج التشتيتي إرثا موروثا عن مرحلة ما قبل الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية لغة رسمية للدولة، حيث ما تزال الإذاعة الأمازيغية تخصص حيزا زمنيا منفصلا لكل لهجة على حدة، فإن الجديد هو أن قناة "تمازيغت" صارت الآن تتبنى هذا النهج ليس كواقع موروث فرضته السياسة اللغوية المجحفة لدولة ما بعد الاستقلال، بل باعتباره مذهب الدولة في تدبير الأمازيغية استقبالا.

فهل يتعلق الأمر بتنفيذ سابق عن أوانه لمشروع القانون التنظيمي للأمازيغية الذي ما زلنا ننتظر صدوره انتظار "غودو"، والذي جاء حافلا بنذر الارتداد والنكوص؟ لا يمكن أن يكون الأمر إلا كذلك: فلا وجود للصدفة في السياسة، كما يقال! هكذا يصير ما كان إرثا ظالما يعيق تقدم الأمازيغية نحو مكانة اللغة الموحدة الجديرة بتبوّؤ مركزها في الدستور هُوَ هُوَ برنامج الحكومة (ومن ورائها الدولة العميقة) في شأن تدبير الأمازيغية!

إن الوصلة الإشهارية التي تبثها قناة "تمازيغت" على نحو متقارب ومتكرر، وبحماس منقطع النظير، والتي تقول إن برامجها تُبثُّ بـ"ترفيت" و"تمازيغت" و"تشلحيت" – وليس بالأمازيغية، لا يمكن أن يُراد منها إلاّ شيء واحد: هو تكريس وترسيخ فكرة أن هذه اللهجات تتوازى ولا تتقاطع، وأنه لا سبيل إلى التقائها يوما في لغة إعلامية موحدة تتغذى من التنوع بقدر ما تغنيه، بل وإنها يجب أن تظل كذلك وتزداد تمايزا وتباعدا جرّاء ما ستنتجه كل لهجة على حِدَة من ألفاظ ومصطلحات جديدة لتغطية الفضاءات الدلالية المتجددة. إن القائمين على هذا المشروع التجزيئي يدركون أن "الشيء إذا تَكَرّرَ تَقَرَّر". وهذا سر الحملة التلهيجية المسعورة التي تقودها قناة اسمها – يا للخُلْف – "تمازيغت"!

الغاية والوسائل

إن الغاية واحدة والوسائل المفضية إليها متعددة: أما الغاية فهي الابقاء على الأمازيغية رهينة للتشظي اللهجي كي لا تصير "ضَرَّةً للعربية"، كما قال قائلهم، وحتى يسهل تبخيس قيمتها في سوق القيم اللغوية، مما سيجعل المغاربة يهجرونها تباعا إلى أن تصبح في خبر كان.

أما الوسائل المعتمدة فمنها تعطيل أحكام الدستور المتعلقة بالأمازيغية بعدم إصدار القوانين المفعِّلة لها مع مُضِّيّ أكثر من ست سنوات عن إقرار دستور 2011 الذي جعل منها – على مضض - "لغة رسمية أيضا"؛ ومنها تعليق وتجميد مسلسل تدريس الأمازيغية الذي كان قد بدأ سنة 2003 في سياق الانفتاح السياسي للعهد الجديد الذي لم يعمر طويلا، ومنها هذه الحملة التلهيجية التي تُشَنُّ على الأمازيغية من قِبل قناة تلفزيونية كان من المفترض أن تُوظَّف – بحكم توجهها إلى العموم – في بناء وتعميم لغة أمازيغية "فصحى" تكون في خدمة التواصل السماعي والكتابي- القرائي بين المغاربة جميعا... (هذا عن تعاطي الفاعل الرسمي مع الأمازيغة، لكن لا ننسى الدور التكميلي للفاعل "الشعبي" المتمثل في هذه الجمعيات والأفراد الذين يُعهد إليهم بالتشويش على مطالب الحركة الأمازيغية وتلطيخ سمعتها لدى العامة بنشر إشاعات مغرضة تشكك في وطنية المناضلين الأمازيغيين وتربط مطالبهم العادلة بقوى أجنبية وخطط تجزيئية وانفصالية، وهلم هذيانا...).

قلت: إن الغاية واحدة واضحة، ومن خلفها استراتيجية قديمة جديدة تغذيها ايديولوجيا معادية لأمازيغية المغرب، وتتبناها الدولة العميقة كما تتبناها حكومات الواجهة. وتتمثل هذه الاستراتيجية في منع بناء لغة مشتركة يتعرف فيها الأمازيغيون على أنفسهم، فيتشكل عندهم وعي مشترك بالانتماء إلى هوية جامعة (لا يريدونها مانعة).

وبعبارة أخرى: الحيلولة بجميع الوسائل دون تشكل "كتلة حرجة" un masse critique من الأمازيغيين الواعين بالانتماء الأمازيغي للمغرب – كتلة قادرة على تقويض المخطط الاستراتيجي المتمثل في التعريب الايديولوجي العرقي للمغرب عبر تعزيز الأدوات والمقدرات المرصودة لهذا التعريب، ومقابلَ ذلك، تبني نهج العرقلة والتماطل، من جهة، والتلهيج والتفريق والشتيت والفَلْكْلَرَة بخصوص الأمازيغية، من جهة أخرى، وصولا إلى إعدام العامل المادي المحدد للانتماء المتمثل في اللغة.

وبذلك يتوحد الأمازيغيون تحت لواء العروبة أسوة بمواطنيهم المنتمين إلى "الروافد" المتعددة التي أحصاها الدستور على طريقة لوائح جاك بريفير، والذين لا يتسببون في أي ضرر للعروبة الايديولوجية ما داموا لا يرتكزون في انتماءاتهم إلى لغة مستقلة بذاتها، مشتركة بين متكلميها، متجذرة في الزمان والمكان والوجدان، كما هو شأن الناطقين بالأمازيغية.

تنبيه وتحذير

فليأخذ الناطقون بالأمازيغة حِذْرَهم مما يُهيأ لهم، ولْنعبِّرْ عن رفضنا للمخطط الجهنمي الذي يستهدفنا عبر استهداف لغتنا التي هي عنوان وجودنا. ولْيَخْشَ سحرة التعريب الايديولوجي العرقي أنْ ينقلب عليهم سحرهم. فإن للتاريخ مكرا، وإن للبراكين فورة بعد خمود.


 

ميمون أمسبريذ