لست بحاجة لأن تكون من أهل اليمين ولا من أهل اليسار وليس بالضرورة أن تنحدر من جمعية تناضل من أجل المرأة، ولا حاجة لك بالتوفر على خلفية المناضلات الحقوقيات لكي تعي وتعلم وتقدر دور المرأة.

شخصيا لا أنتمي لأي اتجاه أو تيار، ولا علم لي بالشعارات والكلمات المختارة بعناية تامة في جل الأنشطة التي تقام من أجل تكريم النساء، ولست من المؤمنات "بعيد المرأة" كما أنني لست ضده في الوقت نفسه؛ إذ لا ضرر في الاحتفال والاحتفاء بالمرأة وبتسليط الضوء على مجهودات النساء المثقفات المكافحات في مختلف المجالات من أجل إثبات قدرتهن على خوض معارك الحياة بكل كفاءة جنبا إلى جنب الرجل.

لكن ما الفائدة من عيد يأتي ويرحل من دون تغيرات جذرية تذكر، عيد توزع فيه الورود في حين إن أعدادا أخرى من النساء يقطعن الأشواك بأيديهن ويعشن سيناريوهات التعنيف والظلم وهدر الحقوق والتهميش، نساء لم يعرفن بعد طعم الكرامة واستقلالية الفكر، نساء مازلن يعانين من سوء التقدير والاحترام وغياب روح التشجيع.

ما أردت قوله هو أن رمزية العيد جميلة لكن فاعليتها غائبة، وكيف نشعر بالعيد في حين مازالت فتيات يحرمن من الدراسة وقاصرات يجبرن على الزواج، ونساء قرويات مكافحات يتحملن الصعاب ويساعدن الحمار على حمل الأثقال وحمل أكوام الحطب؟

ألا تدخل المرأة القروية في فئة النساء؟ أليست تنسب إلى جنسهن؟

ألا تساهم هذه الأخيرة بشكل فعال في المجال الفلاحي؟ أليست مساهمة في نموه وتقدمه؟ وما الذي تناله في المقابل؟ بضع مناقشات في برامج قد تتذكر بالصدفة في "عيد المرأة" أن هناك نساء مهمشات على حافة الحياة.

أتذكر أنه جمعني حديث مع فتاة قروية تحدثت إلي بكل عفوية، وفي الوقت الذي كنت أحدثها فيه عن الاستقلال الذاتي والمادي وضرورة التعليم في الحياة حتى وإن اقتصر دورها على أن تكون أمًّا فهي بحاجة إلى تنوير عقلها لأن الأم في حد ذاتها مدرسة تعد الأجيال، قاطعتني نظرتها المستغربة لكلامي الذي بدا لها ضربا من الخيال والمستحيل في آن واحد، وأخبرتني بمدى سعادتها، هي التي تبلغ من العمر 14 سنة، لأنها ستتزوج قريبا ولن تضطر لإتمام دراستها التي كما أكد لها والدها ليست سوى عبئ ومصاريف مقابل لا شيء، وبأن تلك المصاريف ستستثمر في شراء بقرة ستعود بالنفع على العائلة.

حينها فقط شعرت بعدم أهمية "عيد المرأة"، وبأنه لا معنى لهذا العيد في الوقت الذي يمثل شراء بقرة مستقبلا أضمن وأهم من مستقبل قاصر ستنضاف إلى عدد كبير من النساء اللواتي لا قيمة لهن أمام بقرة الأسرة.

بالنسبة لمثل هذه الفتاة ولنساء كثيرات غيرها، عيد المرأة ما هو إلا كذبة.

وبعيدا عن "عيد المرأة"، أريد أن أتحدث عن نساء بسواعد رجال، نساء فرضت عليهن الحياة أن يرتدين شارب الرجل للنفاد بجلدهن من الاستغلال. نساء تدفعهن الحاجة والإرادة معا إلى السفر خارج تراب الوطن من أجل كسب لقمة العيش المرة، وحينها فقط تبدأ الحكاية.

وهذه المرة ليست حكاية كفاح فحسب؛ فالمرأة مكافحة بالفطرة، وإنما حكاية معاناة إثبات الذات؛ إذ تضطر النساء المغتربات إلى تحمل مسؤولية أنفسهن، من حماية ذواتهن من الذئاب المترقبة لأي خطأ، ومن إعالة أسرهن، ومن تكبد عناء العمل لساعات طوال.

ليس هذا فقط، بل أيضا اضطرارهن في معظم الأحيان للتجرد من أنوثتهن ولتغيير بحة أصواتهن ولتجنب الضحك الذي إن لم يعتبر عورة فهو مصدر إثارة! وهكذا تجد النساء أنفسهن مجبرات ليس فقط على التعامل مع الظروف القاسية التي فرضتها عليهن الحياة، وإنما أيضا التخلي على معالم الأنوثة في شخصياتهن. والحقيقة أن معظم نساء العالم هن حقا بسواعد رجال، فصبرهن وقدرتهن على التحمل والتكيف مع تقلبات الزمن خير دليل على قوتهن وعزيمتهن.

وكم من امرأة كانت خيرا من ألف رجل عاطل عن الحياة وعن العمل معا. فالمرأة التي لم تتخل عن زوجها المريض والعاجز عن الحركة، بل تقف بجانبه وتلبي حاجاته ثم تتوجه إلى البيوت أو إلى المعامل من أجل أن تعيل أسرتها. والمرأة المطلقة التي لا تحصل على نفقة والتي تتحدى نظرة الشفقة في عيون الناس وتعتمد على نفسها فتبيع ما تجود به يدها سواء من حلويات أو خبز أو غيرها. والمرأة التي تخلى عنها أبناؤها فاضطرت لإعالة نفسها وعدم الاتكال على قنينة الزيت وعلبة السكر التي يتذكرها بها أبناؤها مرة في السنة. ونساء كثيرات بقصص مختلفة، لكن بإصرار واحد وعزيمة واحدة، هن حقا جديرات بالاحترام والتقدير.

نساء يستمدن القوة من ضعفهن وقلة حيلتهن ومن غدر الزمان بهن. نساء لا يدخلن في قائمة المهندسات والوزيرات والفنانات والكاتبات وغيرهن. نساء من باطن الأرض ومن رحم الواقع. نساء لا تعني لهن الزهور شيئا سوى أن منظرها جميل تصلح لأن تحل بالواجهة لكن الواجهة عادة ما تخفي بشاعة الخلف، بشاعة ما قد يعريه النور من مآسي تستحق الالتفاتة إليها بحق وتستحق أن تمد لها يد المساعدة على أرض الواقع.

إن النساء اللواتي تحدث عنهن نعرفهن جميعنا حق المعرفة، لكننا عادة ما ننسى أن نلتفت إلى الوراء لنراهن، لنرى كم من امرأة مازالت يوم "عيدها" ترتدي جراح السنين الماضية نفسها.


 

منار رامودة