مقدمة:

الرأي أن الحوار البنّاء يمكن أن يتم عبر جميع وسائل الاتصال الحديثة والجرائد الإلكترونية المعتبرة، إضافة إلى الإعلام العمومي الذي يجب أن يبذل مجهودا في هذا الصدد وأن لا يكتفي بالوجوه نفسها من شخصيات حزبية معروفة، ومثقفين وجمعويين اعتادوا الظهور تحت أضواء الشاشات، ليكون الحوار فعلا وطنيا ناجحا.

لكن يبقى من الواجب على أصحاب المعرفة والخبرة المشاركة وطرح الاقتراحات والحلول الممكنة بطريقة علمية منطقية عبر الوسائل المتاحة، بحسن نية وبحسن الظن. فلا عذر، أدبيا، في الانسحاب أو اليأس أو البخل بالمعرفة. فالعمل يجب أن يكون في سبيل الله وبالمجان، حسب القدرة والمعرفة والموهبة والذكاء، فكل حسب استطاعته. ستكون المعركة ضارية وعلينا خوضها بشجاعة والله أعلم.

1. أرضية ملائمة للنمو تعتمد الوضوح:

إذا اعتبرنا أن المواضيع والمشاكل معروفة، وأن الأخطاء هي نفسها التي ترتكب من طرف الحكومات المتعاقبة كيفما كانت ألوانها السياسية، فيكفي الاعتماد على بعض المستجدات للفت الانتباه إلى كون المشكل يكمن، أولا وقبل كل شيء، في التعامل مع واقع اقتصادي صعب بأساليب قديمة لن تنفع أبدا في زمن أصبح فيه الأميون أيضا يتمتعون بنصيب من الوعي لا يستهان به.

لابد إذا من نهج استراتيجية تواصلية عمومية تحترم ذكاء مغاربة القرن 21؛ إذ لا يمكن أن يستمر رجال ونساء السياسة في التعامل مع الشعب، بكل مكوناته، كما لو كان مبتور العقل والوعي والضمير.

ويكفي في هذا الصدد التذكير بأن إحصاء الفقراء، مثلا، عملية لا تحتاج إلى رصد أموال، وكذلك إحصاء الأغنياء أصحاب الملايير واللهم بارك ولا حسد. كما أن "عتبة الفقر" ليست "13 درهما" ولا حتى "20 درهما"، اللهم إذا كان الأمر يتعلق بـ"عتبة المجاعة"، والفرق كبير بين العتبتين.

ومهما كانت الوضعية المالية كارثية فالحلول موجودة يمكن عرضها وإثبات نجاعتها علميا وعمليا من طرف العارفين، ولكن لا بد أولا من إرساء أرضية ملائمة حتى لا تذهب المجهودات سدى.

2. إجراءات أولية مستعجلة طال انتظارها:

إن العائق أمام انخراط العديد من الكفاءات المعتبرة في البحث عن حلول جديدة، على مقاس الواقع الراهن بمشاكله المعقدة التي تحول دون تحقيق التنمية، ناتج عن حالة إحباط لها علاقة بالوضع الراهن، نظرا لعدم اتخاذ السلطات الحاكمة إجراءات أولية بسيطة نسبيا لكنها ضرورية ومستعجلة، يمكن تحديدها بعجالة في النقط التالية:

- فك الاحتقان بدأ بإطلاق سراح من يجب إطلاق سراحهم عن طريق العفو، أو بإعمال القانون، أو حتى من بوابة الحكمة السياسية.

- إلغاء العلاوات، والمنح والمأدونيات، وسيارات المصلحة لغير حاملي السلاح العاملين في الميدان، والسكن الوظيفي، وهاتف "المصلحة"، وماء "المصلحة"، وكهرباء "المصلحة"... وأيضا الكف عن توزيع الأراضي على "خدام الدولة" لأننا كلنا خدام الدولة... ضرورة قصوى. واعتماد شرط عدم ازدواجية الجنسية في تعيينات المسؤولين والأطر والوزراء والمدراء.

- ضرورة إصلاح الإدارة العمومية، يعني إصلاح "الإدارة الترابية"، أولا وقبل كل شيء، بما فيها إدارة "السلطة المحلية"، بتكريس مفهوم حديث فعلا، مع تغيير تسميات "القايد" و"الباشا" و"المقدم"، مثلا، بتسميات عصرية لتيسير التغيير داخل المجتمع.

- إنصاف ورد الاعتبار للمظلومين في جميع أسلاك الدولة من رجال سلطة وقضاة وموظفين نزهاء أكفاء لإعطاء القدوة الحسنة ورفع معنويات المجتمع.

3. المراقبة الآنية" أثناء تنفيذ المشاريع الكبرى:

لا شك أن "المراقبة القبلية" أهم من "المراقبة البعدية"، ولكن المشكل الذي مازلنا نتخبط فيه ربما يكمن في انعدام "المراقبة الآنية"، يعني أثناء التنفيذ، بما يقتضيه ذلك من معرفة ودراية، وقدرة على تجاوز الصعاب دون تأجيل وبكل مسؤولية.

لابد، مثلا، من تخصيص موظف نزيه كفء لا يباع ولا يشترى في كل عمالة، يكون على اتصال مباشر مع والي الجهة، لتتبع المشاريع أثناء التنفيذ ولاتخاذ القرارات المستعجلة في الميدان، ولتفادي الارتباك الإداري، وحتى لا يتضرر المتدخلون الخواص أيضا من جراء بعض "التصرفات أو الانزلاقات أو الأخطاء"، وذلك لتمكينهم من العمل بكل طمأنينة وشفافية وكفاءة، ودونما عرقلة بحكم تشابك الاختصاصات، وربما كثرة اللجان التي تتسبب في تعقيد الأمور وتفضي إلى تبخر المسؤولية الإدارية والفشل في الإنجاز.

مشاريع الدولة الكبرى في حاجة إلى أداة فعالة لمواكبة الأشغال باستماتة، ومباشرة المشاكل في الميدان، وضمان الحقوق دون تأجيل، حقوق الخواص وحقوق الدولة، ولن يتأتى ذلك سوى بتعيين موظف نزيه كفء يتم تمتيعه بكامل الصلاحيات لتتبع المشاريع وقيادتها في الميدان مع إلزامه بتحقيق النتيجة. فالمراد أن تتم المهمات بنجاح بصفر رشوة وصفر اختلالات وصفر أخطاء. وبطبيعة الحال لن يتم ذلك بتهميش أطر الدولة الأكفاء النزهاء، ولا برفض أطر الدولة الأكفاء النزهاء تحمل المسؤولية مع الالتزام بتحقيق النتيجة.

خلاصة:

الأزمة هذه المرة ليست كسابقاتها. فلقد تغيرت سياسة الدول العظمى بشكل كبير لا يبعث على الاطمئنان.. فلا سبيل للخروج من النفق المظلم سوى بالإقدام على تغييرات جوهرية إدارية، سياسية واقتصادية تعيد الثقة والتوازن للمجتمع، وذلك باعتماد وصفة الإصلاح: منطق، صدق، شجاعة، مصداقية، أولا. ثم معالجة عقلانية ناجعة شاملة، ثانيا. وسيكون المغرب والمغاربة بخير إن شاء الله.

 

يونس فنيش