التاريخ وإن كان لا يعيد نفسه وإن كان لا يتكرر، فإنه دوما يذكرنا بأحداث لها أثر في أذهاننا ولها مكانة في قلوبنا مهما حاول البعض أن ينسينا فيها .

التاريخ مليء بالأحداث والمغاربة كانوا على موعد مع حدث كان الكل يعقد آماله وتوقعاته عليه إنه حدث 20 فبراير المجيد الذي هز أركان الفساد وأعلن عن نهاية مرحلة الاستعباد وأطلق العنان لحناجر الشعب بأن تصدح لتعلن الولاء للشعب لا أحد سواه .

يوم 20 فبراير يوم لا ينسى ولن ينسى، سيحاولون تلطيخ سمعة هذا اليوم ،سيحاولون جعله يوما للفوضى وللخراب، كما سيحاولون إقناع المغاربة بأن ما حدث لا يعدو أن يكون مجرد أعمال صبيانية لا يتقبلها العقل ولا يقبلها المنطق.

ذلك التاريخ المجيد لن يدرسوه في مدارسهم ،ولن تجده في جامعاتهم ومعاهدهم ولن يكون لهذا التاريخ وجود في احتفالاتهم ،لكن مع ذلك فالذاكرة تأبى إلا أن تحتفظ بهذا اليوم كيوم الخلاص من الخوف الذي سيطر على المغاربة لقرون.

سيحتفظ المغاربة بهذا اليوم الذي مكنهم من الخروج إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم المشروعة، سيحتفظون به في ذاكرتهم وإن قزموه ، وإن قللوا من قيمته، وإن أعلنوا أنه رمز المآسي.

سيحتفظون بتاريخه بأحداثه وبخيانات الكثير ممن راح يصفق للتسلط أو من الذين راحوا يركبون على الحراك ليصلوا إلى سدة الحكومة معتقدين أن تجار الأوهام سيمنحون لهم صكوك الغفران.

وإن كانت انتفاضة 20 فبراير لم تحقق أهدافها التي انطلقت من أجلها، وإن كانت لم تقتل الفساد كما كانت تطمح عندما انطلقت ،وإن كانت لم تقض على الاستعباد إلا أنها مع ذلك فهي ستبقى راسخة في أذهاننا، في أذهان أبنائنا سنحتفل بها سنجعلها عيدا لأنفسنا. كيف يمكن لنا أن ننسى هذا اليوم وقد كان اليوم الذي بدأنا من خلاله نفهم

أن الشعب صبر بما فيه الكفاية ،وانتظر بما فيه الكفاية، واستبعد بما فيه الكفاية، ونهبت ثرواته بما فيه الكفاية .

كيف ننسى وقد فهمنا أن القيود التي كبلونا بها منذ قرون لا يمكن أن نتخلص منها إلا عبر الصمود في الساحات وفي الشوارع وفي الطرقات.

كيف ننسى وقد كان لنا موعد مع حدث قلما يجود به الز مان، خاصة علينا نحن الذين كنا نؤمن بأن المطالبة بالحقوق في هذا البلد أمر محرم بنص الكتاب والسنة . يوم لا ينسى يوم لا يمكن للذاكرة أن تلفظه بعيدا عنها.

صحيح أنه لم تنجح حركة 20 فبراير في أن تضع حدا للفساد ،صحيح أنها أجهضت أحلامها قبل بداية الطريق، لكنها مهدت الطريق على الأقل وكسرت حاجز الخوف الذي كان عائقا أمام الشعب المقيد بسلاسل من حديد لينتفض ليصرخ ليعلن عن مرحلة القطع مع التصفيق والتملق الاستعباد .

الشعب لن ينسى تاريخ 20 فبراير ، المجيد لن ينسى انتصاراته على الخوف وعلى المخزن العنيد الذي خرج يصرخ ويساوم من أجل إخماد الحريق .

الشعب لن ينسى ذلك اليوم الذي فهم فيه الكل أن هناك من الشعب من لا يريد لهذا الوضع أن يستمر ،ولن ينسى ذلك اليوم الذي وضع حدا لمسرحيات أحزابهم التي تعودت أن تكون شاهد زور على جرائم المفسدين .

الشعب لن ينسى ولن ينسيه أحد ذكرى هذا اليوم ،ولن يوقف أحد احتفالنا به وإن كان ذلك في قلوبنا ،كيف لا وقد تعلمنا من هذا اليوم ما لم نتعلمه من المدارس والجامعات طيلة اعتكافنا فيها .

الشعب لن ينسى ذلك اليوم الذي خرج فيه مئات الآلاف من الشباب ،شكلوا غصة للأحزاب الممخزنة التي فقدت البوصلة والتي تاهت وأصبحت في موقف لا تحسد عليه خصوصا بعد أن تبرأ منها الجميع فراح البعض منها يحاول تهدئة الوضع أملا للركوب على نضالات الشعب . وقد ركب بعضهم وقد تملق في الوقت الذي كانت لديه الفرصة في أن يتبرأ من الفساد والمفسدين من كان منا يستطيع أن يتجرأ للحديث عن الثروة ؟من كان منا يستطيع أن يناقش أفكار الثورة ؟من كان منا يستطيع أن يفكر يوما في أن يصبح حرا لولا هذا اليوم المجيد . من منا فكر قبل هذا اليوم في حمل شعار ؟من فكر في أن يصرخ في وجه اللصوص الكبار؟ أن تحتج ضد الفساد قبل ظهور الحركة لم يكن عاديا ،وهو من سابع المستحيلات، خصوصا في وطن عانى الشعب فيه من التسلط ومن السجون السرية ومن الاعتقالات التعسفية ،نعم لم يكن عاديا أن يخرج مئات الآلاف باختلاف أطيافهم وباختلاف انتماءاتهم موجهين سهام نقدهم إلى المخزن ،تركوا الأحزاب الممخزنة ،قطعوا مع القنوات البائدة أعلنوا عصيانهم لسياساتهم العشوائية ،وقالوا آمنا بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية وبحقوق الإنسان وآمنا بالكرامة الإنسانية.

قد يصف البعض ماحدث في ذلك اليوم من عام 2011 بأنه سحابة صيف عابرة وأن ذلك لم يحقق ما كانت تصبو إليه إرادة الشعب الذي آمن بالتغيير، إلا ذلك لا يمكن في أي حال من الأحوال أن ينزع عن ذلك اليوم صفة القدسية ،حيث مكنهم ذلك اليوم من أن يحلموا بالتغيير وأن يتخلصوا من عقدة السلطة، كما مكنهم من زرع ثقافة الاحتجاج في نفوس الآلاف من المغاربة، وهذا ما لم يعجب أعداء الحرية من الذين سارعوا بكل الطرق لإجهاض الحركة وشيطنتها.

كل عام وذكرى الحركة حاضرة في قلوبنا



 رشيد أخريبيش