انظم الاتحاد العام التونسي للشغل إلى القوى الديمقراطية ليحث الشغالين على "المشاركة المكثفة" في الانتخابات البلدية محذرا من "التأثيرات المخادعة المفسدة للديمقراطية" فيما قال مراقبون إن الاتحاد عازم على قطع طريق الحكم المحلي أمام النهضة.

وجاءت دعوة الاتحاد في أعقاب استقبال الرئيس الباجي قائد السبسي لنورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الذي صرح بان اللقاء تناول الأوضاع العامة بالبلاد ومعالجة الملفات المطروحة والسبل الكفيلة بإنجاح المسار الديمقراطي.

وفي بيان أصدره مساء السبت المكتب التنفيذي دعا الاتحاد "كافة الشغالين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات البلدية القادمة" مشددا على ضرورة "الحرص على اختيار المرشحين على قاعدة الكفاءة والنظافة والقدرة على خدمة عموم الشعب".

وحذر الاتحاد من "كل التأثيرات المخادعة والمغالطة والمفسدة للديمقراطية ومنها تأثيرات المال الفاسد والتجاذبات الجهوية والمصلحية" مطالبا بـ"الحرص على نزاهة الانتخابات وذلك بضمان الشفافية وتكافؤ الفرص فيها".

وتشمل الدعوة كل المنخرطين بالاتحاد من عمال وأجراء وموظفين بالقطاع العام وهم يمثلون قوة انتخابية لها تأثيرها وتفوق قوة عدد من الأحزاب السياسية.

ولئن لم يذكر البيان بالاسم حركة النهضة إلا أن تشديده على الحذر "من المختلة والمغالطة المفسدة للديمقراطية والمال الفاسد" يستبطن إشارة واضحة إلى الحركة حيث ما انفكت قيادات المركزية النقابية تؤكد على ان النهضة غير ديمقراطية ومخاتلة".

وقال رياض العياري الناشط النقابي "إن دعوة الاتحاد تأتي في إطار المسار التاريخي للمركزية النقابية التي ناضلت وتناضل من أجل مدنية الدولة وتمكين التونسيين من حرياتهم المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل المشروع الوطني".

وأضاف العياري يرأس مكتبا محليا للاتحاد بمدينة سكرة في الضاحية الشمالية لمراسل ميدل ايست أونلاين "إن النهضة حركة مخاتلة في خطابها السياسي وفي ممارساتها وهي تمثل تهديدا للتجربة الديمقراطية وتؤمن بالعنف للتغيير. مستحضرا هنا تلويح رئيس حرك النهضة راشد الغنوشي مؤخرا بفرض الحركة على المشهد السياسي أو "الدخول في حرب أهلية".

وخلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في العام 2014 أصدر الاتحاد بيانا مماثلا ترك فيه حرية الانتخاب على المستوى الرسمي غير أن النشطاء النقابيين تلقوا "كلمة سر" بعدم منح أصواتهم لا لمترشحي النهضة ولا للمرزوقي مرشح الإسلاميين.

وغالبية نشطاء الاتحاد هم من القوى اليسارية والعلمانية المعادية للإسلام السياسي وهي ترى أنها معنية بالشأن العام باعتبارها منظمة وطنية من حقها المشاركة بحرية في الاستحقاقات الانتخابية وأيضا في صناعة القرارات المصيرية التي تهم البلاد.

وفي العام 2014 قاد الاتحاد العام التونسي للشغل حوارا وطنيا توصل من خلاله إلى تنحية النهضة من الحكم بعد أن زجت بالبلاد في أزمة خانقة نتيجة سياساتها الفاشلة.

كما يحمل نشطاء الاتحاد النهضة مسؤوليتها السياسية في اغتيال شكري بلعيد أحد أبرز النشطاء ومؤسس الجبهة الشعبية الذي اغتيل زمن فترة حكمها.

وتقول قيادات الاتحاد إن الأزمة السياسية والهيكلية التي تشهدها البلاد تعود جذورها إلى فترة حكم الترويكا 2011 ـ 2014 بقيادة النهضة التي حاولت أنداك استهداف القوى الديمقراطية والقوى المدنية وفي مقدمتها الاتحاد بلغت حد التهجم عليه بالعنف.

وفي أعقاب إشراك النهضة في الحكم من قبل النداء فترت علاقة الاتحاد بالحزب العلماني حيث رأت في هكذا إشراك تنكرا لتعهداته بعدم إشراكها ومساسا بالديمقراطية.

وفي المقابل لا ترى النهضة في الاتحاد العام التونسي للشغل سوى مجموعة من القوى اليسارية العلمانية لا المعادية لها فقط وإنما المعادية لما تقول دين المجتمع التونسي.

ويقول فوزي مرابط أستاذ علم الاجتماع السياسي الذي أعد أطروحة دكتوراه حول علاقة اتحاد الشغل بالإسلاميين "إن الاتحاد يكاد يكون القوة المدنية الأولى التي ترى أنها مؤتمنة لا فقط عن الدفاع عن حقوق العمال وإنما عن مدنية الدولة والشأن العام ".

ويضيف مرابط وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين يقول "إذا كان هناك خصمان لا يلتقيان لا فكريا ولا سياسيا ولا حتى مصلحيا فهما اتحاد الشغل والنهضة" مشيرا إلى أن القوة المدنية الوحيدة القادرة على كسر شوكة النهضة هو الاتحاد".

ويرى مرابط أن بيان الاتحاد لا يحتاج إلى "التأويلات المختلفة" لأنه يؤشر على أن المركزية النقابية تحث نشطائها على منح أصوتهم لقائمات الأحزاب الديمقراطية.

غير أن دعوة الاتحاد التي تركت حرية التصويت لنشطائها لا تصب بالضرورة في صالح قائمات النداء وإنما، كما يرى محللون ونشطاء نقابيون، ستتوزع الأصوات على قائمات الجبهة الشعبية التي تسيطر على عدة هياكل نقابية مثل نقابة التعليم والبريد وقائمات الائتلاف الدمني الذي يضم أحزابا يسارية إضافة إلى قائمات النداء.

ويقر رياض العياري الناشط النقابي لميدل ايست أونلاين "بأن أصوات النشطاء النقابيين ستتوزع بين القائمات وهو خيار ديمقراطي" مشددا على أن "الخيار من شأنه أن يساهم في قطع طريق الحكم المحلي أمام النهضة التي تسعى إلى جعل الانتخابات البلدية جسرا إلى الفوز بالانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة لتحكم البلاد، وهو أمر مستحيل".