قوّة التاريخ والجغرافيا والموارد:

إفريقيا دائرة مهمّة من الدوائر الإستراتيجية للوطن العربي، والوطن العربي دائرة مهمّة من الدوائر الاستراتيجية لإفريقيا.

وذلك للتداخل الجغرافي والتاريخي والديموغرافي القائم بينهما فضلاً عن واقع العلاقة وتحدياتها في المرحلة الراهنة في ضوء المتغيّرات المحلية والإقليمية والدولية المتسارعة وما يرتبط بها من دور متنام للتكتلات الاقتصادية الكبرى التي تبرز أهمّية التكامل الإستراتيجي العربي - الأفريقي على قاعدة المشتركات بين العرب والأفارقة. هذا وبين العرب من هم أفارقة وبين الأفارقة من هم عرب، وجميعهم على أعتاب تحوّلات حقيقية لا تترك لأيّ طرف تجاهل ما يحدث لدى الطرف الآخر في هذا العالم المتحوّل والمتداخل والمترابط في تدبير شؤونه الاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية.

إنّ مستقبل كلّ من الطرفين موضوع حتماً على أجندة الآخر فكلاهما يحتلان مواقع إستراتيجية ويمرّان في ظروف متشابهة:

- لجهة الأطماع والمؤامرات الخارجية والاحتلالات وعدم الاستقرار السياسي والأمني والنزاعات الأهلية، ولجهة معدّلات النموّ الاقتصادي والنمو السكّاني التي تتراوح ما بين 3 و4%

- لجهة التوق إلى تحقيق التنمية والديموقراطية والسلام وتمكين المرأة ومكافحة الفساد والقضاء على الأمّية والفقر والمجاعة وسوء التغذية.

- لجهة حماية البيئة من التصحّر والثروات الوطنية من الإهدار والنهب المنظّم.

هذا وضرورات قيام تكامل إستراتيجي عربي/ أفريقي ترجع إلى عدّة عوامل موضوعية منها:

- الموقع الجيوبوليتيكي الذي يستقطب اهتمامات إقليمية ودولية مشتركة.

- التداخل السكاني والهجرات المتبادلة.

- القوّة العددية في المحافل الدولية (القوّة الديبلوماسية).

- الإمكانات الاقتصادية والديموغرافية (العرض والطلب، الإنتاج والاستهلاك).

- اتساع الرقعة الجغرافية القارية والبحرية.

هذه العوامل تجعل كلّ طرف منهما ينظر إلى الآخر إلى أنّه رافد أساس من روافد نموّه الاقتصادي وقوّته الجيوسياسية والأمنية على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي ظلّ التنافس الدولي الأميركي والصيني والروسي الطامع في أفريقيا، هذا التكامل الإستراتيجي الإحتمالي أو الافتراضي يحدّ من هذه الأطماع التي بدأت تجلّياتها في السودان وهي مرشّحة للانتقال إلى الجزائر ونيجيريا وأنغولا لأهمية هذه الدول النفطية في استراتيجيات السيطرة على مصادر النفط.

* ملخّص تاريخي (قوّة التاريخ المشترك في العلاقات الإستراتيجية):

مجموعات عربية وأخرى أفريقية تواجدت في المجتمع القبلي العربي الجاهلي. المجموعات الأفريقية وفدت الى قلب الجزيرة العربية قبل الإسلام وغالبيتها كانت من الأحباش، سكان القرن الافريقي (الصومال، الحبشة، إريتريا.)

ومنذ بدايات العصر الإسلامي حمل العرب رسالة الدعوة ونشروها في أجزاء واسعة من أفريقيا.

سمة العلاقات في العصر الجاهلي كانت تجارية.

مع الإسلام أضيفت إليها سمة ثقافية/ سياسية.

الهجرات المتبادلة عزّزت هذه العلاقات بسماتها كافة.

من العرب المسلمين من هاجروا إلى بلاد الحبشة المسيحية لأسباب اقتصادية وكانت لهم فيها مراكز تجارية.. ومنهم من هاجروا إليها لأسباب دينية/ سياسية (هجرة الشيعة.)

ومنهم من هاجروا إلى سواحل الشرق الأفريقي بقصد الاتجار بالعاج والذهب، وكانت لهم فيها كذلك مراكز تجارية، من أهمّها زنجبار. في تلك السواحل نشأت ثقافة عربية/ أفريقية إسلامية عرفت ﺑ"الثقافة السواحلية".

ومن تلك السواحل انطلق العرب في اتّجاه "منطقة البحيرات الاستوائية": تنزانيا وكينيا وأوغندا ورواندا والكونغو...

على خطّ آخر، ولعلّه الخطّ الأهمّ في العلاقات العربية/ الأفريقية، تمدّد العرب المسلمين في مصر والسودان (بلاد النيل) وفي الغرب والشمال الأفريقي (بلاد المغرب العربي...).

مصر من أهمّ البلدان الأفريقية التي توطّن فيها الإسلام وتوسّعت فيها الثقافة العربية.. منها، وبحكم موقعها الجغرافي كرابط بلاد العرب بأفريقيا، وعن طريقها وعبر البحر الأحمر، امتدّ تأثير الثقافة العربية الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان المتعدّد الأعراق والمتنوّع الثقافات فبات الإسلام الرابط الأقوى والأمتن بين شعوبه ثقافياً واجتماعياً وبذلك تبوّأ السودان مركز الإشعاع الثقافي العربي والإسلامي في اتجاه معظم البلدان الأفريقية.

في الغرب والقسم الآخر من الشمال الأفريقي (بلاد المغرب) انتشر الإسلام ومعه الثقافة العربية بين مجموعات من الأمازيغ.. منهم من استعرب وأسهم في حمل الإسلام والثقافة العربية من شمال أفريقيا إلى غربها ووسطها عبر الطرق التي ربطت:

- ليبيا وتونس بمنطقة بحيرة تشاد

- تونس ببلاد الهوسا

- الجزائر بأواسط نهر النيجر

- المغرب الأقصى بأعالي نهر النيجر

هذا الانتشار الواسع للعرب المسلمين مادياً وثقافياً في مرحلة ما قبل الاستعمار أدّى إلى تكوين ذاكرة تاريخية مشتركة بين العرب والأفارقة سرعان ما بدأت تعمل على محوها قوى الاستعمار بدءً من القرن الخامس عشر الميلادي يوم اكتشف البرتغاليون طريق "رأس الرجاء الصالح" حيث تمّت لهم السيطرة على السواحل الأفريقية.

منذ ذلك التاريخ حتى منتصف القرن الماضي والقارة الأفريقية تحت سيطرة قوى الاستعمار الأوروبي ما كانت له تداعيات سلبية على العلاقات العربية/ الأفريقية. من تلك التداعيات:

- تفكيك "سلطنة زنجبار العربية".

- الحدّ من مطامح محمّد علي في مدّ النفوذ المصري إلى البحر الأحمر.

- انتشار دعوة "لا للتعريب" في جنوب السودان تمهيداً لتغيير هويته الثقافية.

- سدّ منافذ شرق أفريقيا أمام العرب.

- إضعاف مراكز الثقافة العربية والإسلامية في شمال أفريقيا وشلّ قدراتها أمام الغزو الثقافي الأوروبي.

خمس مئة سنة من الاستعمار للقارة الأفريقية كانت أكثر من كافية لإحداث قطع تاريخي ثقافي بين العرب والأفارقة.

بالمقابل، إنّ السيطرة الاستعمارية على أفريقيا كانت لها تداعيات إيجابية على العلاقات العربية/ الأفريقية. من تلك التداعيات مواجهة العرب والأفارقة معاً لقوى الاستعمار في المناطق الشرقية التي وقعت تحت الاحتلال البرتغالي، وفي منطقة الكونغو التي وقعت تحت الاحتلال البلجيكي ما عزّز الشعور لديهم بأنّهم يواجهون عدوّاً واحداً هو الاستعمار ومصيراً واحداً هو الاستقلال يرسمه النضال المشترك. وهذا ما كانت له نتائج إيجابية في مرحلة ما بعد الاستقلال (خمسينيات القرن الماضي.(

شهدت هذه المرحلة تضامناً عربياً وأفريقياً إزاء العديد من القضايا، من أبرز تجلياته:

- متابعة النضال المشترك في سبيل التحرير وتصفية مواقع الاستعمار.

- مساندة حركات التحرّر والاستقلال خصوصاً بعد قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر.

- التنسيق الديبلوماسي في أروقة الأمم المتّحدة بشأن القضايا العربية والأفريقية وسائر القضايا الإقليمية والدولية.

- الانخراط في حركة عدم الانحياز وتفعيل دورها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

- مواجهة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين عبّرت عن نفسها بالآتي:

* اعتبار قضية فلسطين قضية عربية/ أفريقية.

* اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.

* قطع العلاقات بالكيان الصهيوني في حرب تشرين 1973 (29 دولة أفريقية قطعت علاقاتها بإسرائيل وأعلنت حكوماتها التأييد المطلق لحق العرب في استرجاع أراضيهم المحتلّة في العام 1967(.

هذه المسيرة الطويلة من العلاقات الإيجابية توّجت في العام 1977 بعقد مؤتمر قمة عربي/ أفريقي صدرت عنه وثائق أساسية استندت إلى البعد التاريخي والحضاري للعلاقات العربية/ الأفريقية وحدّدت مجالات التعاون المشترك وأنشئت المؤسسات المسؤولة عن وضع برامجه وآليات تنفيذها سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومالياً وتنموياً من مؤسسة قمّة إلى مجلس وزاري إلى لجان تعاون وتنسيق فضلاً عن المحكمة العربية الأفريقية..

هذه الوثائق لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ بسبب ما شهدته ساحات أفريقية وأخرى عربية من نزاعات بينية وطرفية ومن اعتداءات وتدخلات واحتلالات خارجية ومن تبدّلات في الأنظمة السياسية والتوجّهات الحكومية فتراجعت العلاقات العربية/ الأفريقية ودخل العرب والأفارقة في ما يمكن تسميته: المرحلة السلبية.

من عناوين هذه المرحلة السلبية ما يلي:

- انقسام عربي/ عربي وأفريقي/ أفريقي حول اتفاقيات كامب ديفيد.

- إخراج مصر من جامعة الدول العربية وإخراج الجامعة من مصر إلى تونس.

- جدل أفريقي/ أفريقي بشأن عضوية مصر في منظمة الوحدة الأفريقية وفي اللجنة الدائمة للتعاون العربي/ الأفريقي.

- خلافات عربية/ عربية تركت آثارها السلبية على أيّ اجتماع أو لقاء عربي/ أفريقي.

- الحروب والنزاعات الأهلية في القرن الأفريقي، الحرب الإثيوبية/ الصومالية والتدخّل الأميركي المباشر في الصومال.

- إشعال حرب الخليج الأولى العراقية/ الإيرانية.

- إشعال حرب الخليج الثانية (اجتياح الكويت، تدمير الجيش العراقي وإرغامه على الانسحاب)

- فرض الحصارات على ليبيا والسودان والعراق وسوريا (محاصرة الأنظمة العاصية)

- احتلال العراق

- أزمة دارفور وجنوب السودان

- محاكمة الرئيس البشير

- استغلال أميركي/ صهيوني لهذه الأوضاع أمنياً وعسكرياً واقتصادياً وديبلوماسياً فتعدّدت أوجه النشاط الصهيوني/ الإسرائيلي في عدد كبير من الدول العربية والأفريقية فطبّعت علاقات وأقيمت مشروعات مشتركة: تسليح، تدريب، مبادلات، تمثيل ديبلوماسي وبعثات، مساعدات، مشاركات في مؤتمرات ومنتديات اقتصادية..

في موازاة هذه العناوين اقتصر التعاون العربي/ الأفريقي على إقامة المعرض التجاري وعلى إحياء أسبوع رجال الأعمال العرب والأفارقة وعلى ما كان يقوم به المعهد الثقافي العربي/ الأفريقي وعلى بعض المعونات الفنية التي كان يقدّمها الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الأفريقية..

بالرّغم ممّا آلت اليه الأمور في واقعنا الراهن يبقى تاريخ العلاقات العربية/ الأفريقية قوّة لا يستهان بها في التكامل الإستراتيجي العربي/ الأفريقي.. فالتاريخ المشترك يتضمّن حاصل تجارب وخبرات وقيم وإنجازات تتراكم عبر العصور قد تنساها الذاكرة المثقوبة ولكن الإرادة المشتركة في بناء المستقبل لها من القدرة ما يسعفها في إعادة التقييم والتكوين المتجدّد فتأخذ مكانها في عملية البناء.. هنا التاريخ لا يعيد نفسه بل يتدرّج في تفعيل مساره ويصبح عنصراً من عناصر القوّة في التكامل الإستراتيجي بين الشعوب.

* الموقع الجغرافي (قوّة الجغرافيا في التكامل الإستراتيجي):

تتوسّط أفريقيا قارات العالم القديم فموقعها جغرافي/ استراتيجي متّصل بالبحر الأحمر والخليج العربي. مساحتها 30 مليون كلم² أي ما يعادل 20% من مساحة الأرض. عدد دولها 54 دولة. عدد سكانها يناهز مليار نسمة. ثلثا السكّان يعيشون على الزراعة. أصولهم العرقية متعدّدة. 70% منهم هم من الزنوج. لغاتهم وثقافاتهم وأديانهم متعدّدة.

مساحة الوطن العربي 14 مليون ومئتان وستة عشر ألف وأربع مئة وسبعة وسبعون كلم² أي ما يعادل 2.10% من مساحة الأرض، وهي تنقسم بين أفريقيا وآسيا. 73% منها في أفريقيا و27% منها في آسيا. وعدد سكانه 300 مئة مليون نسمة أي ما يعادل نحو 5% من سكّان العالم. وهو ذو أهمية جغرافية/ استراتيجية نظراً لموقعه المتوسّط وامتداده بين قارات ثلاث ممسكاً بذلك أهمّ المضائق البحرية والممرات المائية. يبلغ طول السواحل العربية 12000 كلم. وهذه السواحل تفرض نفسها على التجارة العالمية.

ثمّة تداخل بين الدائرتين العربية والأفريقية على الصعيدين الجغرافي والديموغرافي وهناك عشر دول تعتبر جغرافياً وديموغرافياً دولاً عربية/ أفريقية فيها عرب وأفارقة يعيشون في أقاليم اختلاط بين القوميتين. إنّ عضوية هذه الدول العشر في المنظمات العربية والمنظمات الأفريقية تعزّز بقوّة أطروحة التكامل العربي/ الأفريقي.

هذا الواقع يثبت أنّ تواجد القوميتين فوق أرض واحدة هو أمر طبيعي وغير قابل للتعديل أو التبديل. ما تصنعه الجغرافيا لا تعدّله أو تبدّله إرادة بشرية حتى بات من الحقائق المبرمة في علم الجغرافيا السياسية القول: ليس هناك أفريقيا من دون عرب وليس هناك وطن عربي من دون أفارقة.

هذا هو الأساس الوجودي/ الإستراتيجي لأيّ تطلّع تكاملي تحتّمه ضرورات الأمن المشترك.

شمال أفريقيا وغرب الوطن العربي يؤثران في أمن البحر الابيض المتوسّط وخطوطه التجارية (مضيق جبل طارق). إطلالته على المداخل الجنوبية من باب المندب وعلى المداخل الشمالية من قناة السويس تجعله يؤثّر في أمن البحر الأحمر وخطوطه التجارية. فضلاً عن أنّ الأمن العربي والأمن الأفريقي يشكلان مظلّة أمنية واحدة للقرن الأفريقي وذلك بفضل موقع الصومال وجيبوتي المطلّة سواحلهما على البحر الأحمر وخليج عدن، وللبحيرات الكبرى في أفريقيا الوسطى بفضل الموقع الجغرافي للسودان ودول المغرب العربي.

بفضل الرابط الجغرافي والبشري تشكّل أفريقيا امتداداً استراتيجياً حيوياً للوطن العربي كما الوطن العربي هو امتداد إستراتيجي لأفريقيا.

دليلنا إلى هذا الترابط الإستراتيجي على المستويات كافة هو أنّ قوى الاستعمار القديم والجديد سعت وهي تسعى إلى فصل الجزء الأفريقي من الوطن العربي عن جزئه الآسيوي. وهذا ما فعلته بزرع الكيان الصهيوني بين الجزئين. وهي تعمل كذلك، وللغرض نفسه، لتدمير الصومال وتقسيم السودان (جرى تقسيمه بإنشاء دولة جنوب السودان) واليمن بفصل الجنوب عن الشمال في كلّ منهما وإثارة النزاعات الدينية في مصر والإثنية في الجزائر والمغرب والنزاعات بين العرب والأفارقة، وهي في جانب آخر تستخدم المياه كورقة ضغط على مصر (وهذا ما جرى لاحقا بإقامة سدّ النهضة الإثيوبي) والسودان، ولا تخفي مطامعها في دول حوض النيل ومنابعه مهدّدة بذلك الأمن المائي والأمن الغذائي العربي/ الأفريقي.

هذا الترابط الاستراتيجي يتحوّل إلى نقاط قوّة تعطي للتكامل أبعاده العملية حينما يجمع المعنيون من عرب وأفارقة على مجموعة تدابير، منها:

- الانتقال من التعاون الثنائي إلى التعاون الإقليمي.

- بناء نظام أمني إقليمي عربي/ أفريقي.

- تأمين حماية مشتركة للبحر الأحمر.

- الاهتمام المشترك بدول حوض النيل.

- بسط السيطرة المشتركة على الممرات المائية المتحكّمة بحركة التجارة الدولية (منطقة القرن الأفريقي التي تعتبر الحزام الجنوبي للأمن الوطني المصري وللأمن القومي العربي).

- مواجهة مشروع تقسيم السودان. (للأسف لم تتمّ المواجهة فوقع التقسيم).

- التعاون لفضّ النزاعات في دول القرن الأفريقي وإزالة بؤر التوتّر ذات الارتدادات السلبية على المصالح المشتركة.

نتبيّن من كلّ ما تقدّم أهمّية الموقع الجغرافي الذي تحتلّه أفريقيا والوطن العربي في التكامل الاستراتيجي بينهما وتأثيره في رسم السياسات المستقبلية على الصعد كافة خصوصاً الاقتصادية منها والأمنية.

ولكن هذه الأهمية يطيح بها واقع التجزئة الذي تديره السياسات المتباينة وتتحكّم به النزاعات والحروب البينية فضلاً عن المخطّطات المعادية والعدوانات لا بل الاحتلالات القائمة في غير مكان من هذه الجغرافيا التي تشكّل مسرح الصراعات الحالية والمستقبلية بين الولايات المتّحدة الأميركية وأوروبا والصين فالسيطرة عليها تسمح بالتقدّم خطوات على طريق التحكّم بالعالم أجمع.

يتعذّر على استراتيجيات الهيمنة والسيطرة أن تغفل أهمّية الموقع الجغرافي خصوصاً إذا كان غنياً بموارده الطبيعية ومنها على وجه أخصّ المياه والنفط والثروة المعدنية.

* الموارد الطبيعية (قوّة الموارد في التكامل الإستراتيجي):

جغرافية أفريقيا والوطن العربي غنية بالموارد الطبيعية. وهما معاً في وضع التبعية الاقتصادية والاعتماد على الاقتصاد الريعي؛ فبعض الدول العربية تبيع النفط للحصول على النقد الأجنبي. وبعض الدول الأفريقية تعتمد على تصدير المواد الخام من نفط وإلماس ونحاس وألومنيوم ويورانيوم وذهب وبلاتينيوم وقصدير للحصول على النقد الأجنبي. ومع ذلك وبالرغم من هذه الثروات الضخمة تبرز في هذه الدول ظاهرة الفقر والبطالة وضعف النموّ.

خمس سكّان الوطن العربي (60 مليون أو 20% منهم) يعيشون بأقلّ من دولارين في اليوم الواحد. ونسبة البطالة تصل الى 15% والحاجة تقدّر ﺑ40 مليون فرصة عمل خلال السنوات الخمس الآتية. وفي تصنيف الامم المتّحدة ثمّة 34 دولة أفريقية هي من الدول الأقلّ نموّاً في العالم. هذا و50% من سكّان القارّة يعيشون في الفقر والأمية (80% هي نسبة الأمية في العديد من الدول العربية والدول الأفريقية) وسوء التغذية أو النقص فيها.

هذا النهج الاقتصادي سيؤدّي عاجلاً أو آجلاً إلى استنزاف الموارد وتدميرها والإكثار من استهلاكها من دون تخطيط استراتيجي لتحقيق التنمية المستقلّة وتأمين موجبات الزيادة السكّانية وتطوير مسارات التقدّم العلمي والتكنولوجي.

هذا في جانب، أمّا في جانب آخر فالوطن العربي وأفريقيا هما معاً محطّ أطماع في الاستراتيجية الأميركية المسيطرة على عدد من مناطق الثروة والساعية إلى السيطرة على مناطق أخرى خصوصاً في أفريقيا وإلى فتح الأسواق أمام ما تدّعيه حركة تجارة واستثمارات وهو في رأينا حركة مصادرة ونهب ثروات. وكما ركّزت الإدارة الأميركية لها في الوطن العربي أنظمة موالية باعتبارها أنظمة دول/ محاور (السعودية ودول الخليج) كذلك تعاملت مع بعض الدول الأفريقية باعتبارها رأس جسر أو منصّات سيطرة (جنوب أفريقيا، نيجيريا، السنغال، إثيوبيا..) وكما قسّمت الدول العربية بين دول معتدلة وأخرى متطرّفة قسّمت الدول الأفريقية بين دول تنعم بالهدوء والأمن والاستقرار قادرة على مواجهة الأزمات وأخرى ترعى الإرهاب والتطرّف والجريمة الدولية. كلّ ذلك يأتي ضمن التخطيط الاستراتيجي الأميركي للسيطرة على الموارد.

- النفط والغاز

يعتبر النفط والغاز من أهمّ مصادر الطاقة الرئيسة في العالم. 65% من موارد الطاقة تعود إلى النفط والغاز.

النفط العربي يشكّل 63% من الاحتياط العالمي. والدول العربية تنتج ما نسبته 38% من الإنتاج العالمي.

النفط الأفريقي يشكّل 10% من احتياط النفط العالمي. 60% منه موجود في نيجيريا والجزائر وليبيا. أفريقيا قارة زراعية والنفط يشكّل مادّة أساسية لصناعة الأسمدة. والنفط العربي قادر على تلبية حاجاتها لتطوير الزراعات وتحسين الإنتاج وزيادة المحاصيل وتوفير الغذاء وحماية أمنها الغذائي.

الغاز الأفريقي يشكّل 8% من احتياط الغاز العالمي. 75% منه موجود في نيجيريا والجزائر ومصر.

اذا جمعت هذه النسب بان واضحاً مدى تأثير موارد النفط والغاز في مجموع نقاط القوّة في التكامل الإستراتيجي العربي/ الإفريقي ومدى تأثير هذه النقاط أو هذا التكامل في مواجهة إستراتيجيات السيطرة وتحقيق التنمية المستقلّة والشاملة والمستدامة وتنسيق السياسات والمشروعات الخاصة بها. هنا تكمن نقطة الإرتكاز في التكامل العربي/ الأفريقي.

- المياه

للمياه أهمية خاصة في استراتيجيات الحروب الآتية بالنظر إلى:

- كثرة البلدان التي تعاني من انخفاض متوسّط نصيب الفرد منها سنوياً إلى ما دون ألف م³. (ثمّة 13 دولة عربية تعاني من هذا الانخفاض).

- تزايد هائل في عدد السكّان.

- تلبية متطلّبات التنمية.

- تغيّرات مناخية وتصحّر.

- الحاجة إلى توفير الأمن الغذائي (90% من موارد المياه في الوطن العربي يستخدم في الزراعة.. ما يؤكّد ارتباط الأمن الغذائي بالأمن المائي).

موارد المياه في الوطن العربي تأتيه من خارج حدوده وذلك بنسبة 35% منها (النيل والفرات ودجلة).. دول الجوار العربي تسيطر على منابع المياه ذات المصبّات داخل الحدود العربية بنسبة 60%. من هذه الدول: أثيوبيا وغينيا والسنغال وكينيا وأوغندا فضلاً عن تركيا..

تمتلك أفريقيا 4 آلاف كلم³ من مصادر المياه العذبة أي ما يعادل 10% من مصادر المياه في العالم.

المياه هي من الموارد المتناقصة في الوطن العربي. 70% من الأراضي العربية قاحلة والتصحّر يهدّد نحو 3 ملايين كلم² من مساحة الوطن العربي أي ما يقارب خمس (1/5) هذه المساحة.

والمياه مادّة صراع وحروب إسرائيلية/ عربية. فإسرائيل طامعة في المياه العربية، في الضفّة الغربية والجولان ونهر الأردن وأنهر لبنان الثلاثة: الليطاني والحاصباني والوزاني فضلاً عن ضغوطها على بعض الدول الأفريقية للتقليل من حصّة السودان ومصر في مياه النيل. عامل المياه جعل من أفريقيا في نظر إسرائيل ساحة من ساحات إدارة الصراع مع العرب فاستغلّت رغبة بعض دولها في مساعدات تنموية وتقنية وعسكرية وتمكّنت من إيجاد تمثيل ديبلوماسي وتجاري لها في 38 دولة أفريقية.

من هنا تبرز الحاجة إلى تفاهمات استراتيجية سياسية واقتصادية وعلمية وتكنولوجية وحقوقية مع الدول الأفريقية المعنية لمواجهة الشحّ في مصادر المياه العربية ومعالجة التصحّر وريّ المناطق الجافة وتضييق الفجوة القائمة بين الموارد المائية المتاحة والحاجات الراهنة والمستقبلية فضلاً عن عدم تمكين إسرائيل من توظيف هذا المورد في صراعها الوجودي مع العرب عن طريق علاقات ودّية تمكّنت من إقامتها مع عدد من دول المنابع والمساقط والممرات المائية.

مثل هذه التفاهمات قد تجعل من هذه الدول الأفريقية المورد الآمن للأمن المائي العربي. فالأمن المائي هو جزء لا يتجزّأ من الاستراتيجية الأمنية الشاملة ما يستدعي تخطيطاً استراتيجياً مشتركاً للموارد المائية وإحداث تغييرات جذرية في السياسات المائية في إطار عمل عربي/ أفريقي مشترك لمنظومة الأمن المائي.

- محاولات التكامل الاقتصادي والتعاون في مجالات التنمية:

فضلاً عن النفط والمياه أفريقيا تنتج 80% من بلاتين العالم و40% من الماس و20% من الذهب. كذلك النحاس واليورانيوم والكوبالت والحديد والفوسفات (المغرب يمتلك 70% من احتياط الفوسفات العالمي) ما يوفّر إمكانات كبيرة لقيام تكامل اقتصادي عربي/ أفريقي وذلك عن طريق ربط التجمّعات الاقتصادية الإقليمية في أفريقيا بالتجمّعات الاقتصادية الإقليمية في الوطن العربي. ثمّة محاولات في هذا الاتجاه منها:

- منظّمة الوحدة الإفريقية التي أنشئت 1963 وضمّت عشر دول عربية. توقّف عملها لأسباب كثيرة منها الصراعات والحروب الأهلية واستبدلت بالاتحاد الأفريقي في تموز 2002.

- السوق المشتركة لدول شرق وجنوب القارة الأفريقية وهي تضمّ ثلاث دول عربية: السودان ومصر وجزر القمر.

- رابطة التعاون الإقليمي لساحل المحيط الهندي وهي تضمّ دولتين عربيتين: عُمان واليمن.

- تجمّع دول الساحل والصحراء وهو يضمّ 16 دولة أفريقية منها 6 دول أفرو/ عربية.

- السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي وهي تضمّ 20 دولة من بينها 5 دول أفرو/ عربية.

- تجمّع دول غرب أفريقيا وهو يضمّ 3 دول أفرو/ عربية.

إنّ التكامل الاقتصادي يفعّل التنظيمات الإقليمية، ويعزّز التبادل التجاري المبني على معرفة بالأسواق طبيعة وخصائص واحتياجات، ويطوّر القدرات التصديرية الأساسية، ويعزّز الثقة بقطاع الأعمال، ويفرض تنفيذ سياسات إصلاحية، ويحدث تغيّرات في الهياكل الاقتصادية والأطر المؤسسية، ويعدّل النظرة إلى منظومة العلاقات بعيداً من المنظور الثنائي وذلك في إطار رؤية كلية وشاملة ما يفضي بالنهاية إلى إقامة سوق عربية أفريقية مشتركة تجمع الثروات الطبيعية ورؤوس الأموال والقدرات البشرية والفنية في وحدة تكاملية قادرة على مواجهة العولمة المتوحّشة واستراتيجيات السيطرة الأميركية وعلى تقليص مساحات التخلّف وتعزيز فرص التنمية الشاملة والمستدامة بدءً بالتنمية البيئية لشدّة ارتباطها بالموارد.

ثمّة ضغوط بيئية تهدّد الموارد العربية والأفريقية وثمّة إمكانات واسعة لتنسيق التعاون العربي/ الأفريقي في مجالات التنمية البيئية، منها:

- حماية البيئة عبر الحدود المشتركة، مثلاً حماية البيئة البحرية حفاظاً على الثروة السمكية.

- مكافحة التلوّث البيئي خصوصاً التلوّث الصناعي الناتج عن الصناعات الكيماوية ومخلّفاتها. (ثمّة أوضاع بيئية متردّية في دول عربية/ أفريقية مثل السودان وموريتانيا والصومال وجيبوتي.(

- مكافحة التصحّر وحالات الجفاف.

- رصد التحوّلات المناخية وحماية التنوّع البيولوجي.

- تعميم ثقافة المحميات الطبيعية والحفاظ على التوازن البيئي والعمراني.

- بناء المعرفة والقدرات البشرية والفنية ذات الصلة.

- إعداد التشريعات البيئية والقوانين الناظمة لاستغلال الموارد.

كلّ هذا يستدعي عملاً عربياً/ أفريقياً مشتركاً لمواجهة هذه التحديات المؤثّرة في اقتصادات الدول المعنية.

أمّا بشأن التنمية الشاملة فيبقى الاستثمار وحجم المبادلات التجارية عنصرين أساسيين من عناصر تحقّقها ما يفرض تبديلاً في السياسات المعتمدة، خصوصاً السياسات العربية تجاه أفريقيا، والقائمة على فكرة المساعدة أو المعونة وليس على فكرة الاستثمار التي كانت غائبة تماماً عن أذهان الكثيرين من المستثمرين العرب.

أفريقيا تشهد الآن موجة قوية من الاستثمارات العالمية إذ باتت محطّ تنافس استثماري دولي وبدأت تكتسب بعداً استراتيجياً لاقتصادات الصين وأميركا وروسيا وبعض الدول الأوروبيةّ لأنها خزّان العالم من الموارد الطبيعية والموادّ الأوّلية ما يحفّز العرب على المشاركة في تقوية هذه الموجة. موارد القارّة غير المستثمرة حتى اليوم تستقطب بقوّة رساميل الاستثمار العالمي فمن الطبيعي جدّاً أن تتوافر فيها الفرص الاستثمارية أمام الرساميل العربية بدل تكديسها في المصارف الأجنبية حيث تبقى مهدّدة بالتجميد أو المصادرة.

إذا كنّا قد تناولنا نقاط القوّة في التكامل الإستراتيجي العربي/ الأفريقي المفترض قيامه أو المحتمل فإنَ لهذا التكامل نقاط ضعفه.. ولها منّا مبحث آخر.

ساسين عساف

*كاتب ومفكر لباني