أثارت اليمينية المتطرفة، مارين لوبن، المرشحة للرئاسات الفرنسية المقررة في ماي القادم، جدلا جديدا أول أمس، بقرارها رفع دعوى قضائية ضد انتشار اللحوم “الحلال” فى الأسواق الفرنسية وخاصة فى منطقة “إيل دو فرانس” بضواحي باريس والتي لا تبيع، حسب زعمها “سوى هذا النوع من اللحوم” القادمة من مذابح “حلال”.
واعتبرت زعيمة “الجبهة الوطنية” في سياق حملتها الانتخابية الحاقدة على الإسلام والمسلمين بفرنسا، انتشار اللحوم “الحلال” فى الأسواق الفرنسية، نوعا “من الغش في المنتجات، غير مكترثة ببيان وزارة الزراعة (المسئولة عن الأغذية) التي نفت بشكل قاطع أن تكون اللحوم المتداولة فى فرنسا هي فقط لحيوانات مذبوحة على الطريقة الإسلامية، فيما وصفت المؤسسة الوطنية للحوم تصريحات لوبن بأنها “خاطئة ولها بعد سياسي”.

أما الرابطة الرئيسية لصناعة اللحوم، فقد دحضت هذه المزاعم بتأكيدها على أن الغالبية العظمى من اللحوم في باريس (85%) ليست مذبوحة على الطريقة الإسلامية. كما استغربت كيف أن زعيمة “الجبهة الوطنية لم تهاجم اللحوم المذبوحة على الطريقة اليهودية “كاشير” وهي موجودة بكثرة في باريس وباقي المدن الفرنسية.

وكان نيكولا باي، المستشار السياسي لمارين لوبن، أول من فجر قضية اللحوم الحلال برفعه شكاية لدى الشرطة ضد سلسلة مطاعم “كويك” لانتهاكها، على حد زعمه، مبدأ المساواة بين الزبناء واقتصارها على بيع اللحم الحلال في ثمانية من فروعها دون غيرها من اللحوم وخاصة لحم الخنزير. 

وذهب إلى أن مطاعم “كويك” مرغمة على بيع اللحوم من كل الأنواع، ومهما اختلفت طرق ذبحها، وليس فقط اللحوم المذبوحة لخدمة الجالية الإسلامية أو اليهودية. “هل يُعقل أن نذهب إلي مدن أخرى لشراء لحم الخنزير ومطاعم كويك موجودة بمدينة نيم؟”، يتساءل العمدة جاهلا أو متجاهلا أن بيع اللحم الحلال هو تجربة تجارية بدأتها هذه المطاعم للتأكد من جدواها في مدة لا تتجاوز الستة أشهر، تُقرر على إثرها الاستمرار أو التوقف. ثم إنه لا يوجد ما يلزم مطاعم فرنسا أو غيرها من مطاعم العالم بتقديم منتجات تجارية بعينها للزبناء. 

حملة انتخابية حاقدة لليمين المتطرف عنوانها اللحم

حملة انتخابية حاقدة لليمين المتطرف عنوانها اللحم “الحلال” في الأسواق الفرنسية

وتأتي هذه الحملة ضد اللحوم المذبوحة وفقا للشريعة الإسلامية بفرنسا، ضمن سعي حثيث من اليمين المتطرف لتكريس مظاهر التحقير للمسلمين وإنكار حقهم في إثبات ذواتهم من خلال جغرافيا مسلمة تبني وجودهم على أساس التميز الإسلامي، فيما أدانت جمعيات إسلامية إصرار حزب “الجبهة الوطنية” على فتح ملف الأكل الحلال والنظر في صحن الآخر وما يفترض أن يكون فيه، بعدما اعتدى على حرية الملبس وحرية بناء أمكنة العبادة والشكل الهندسي للمكان. والسؤال الذي يجب طرحه وإعادة طرحه في هذا السياق هو أليس من فضائل الحضارات على البشر أن الطعام وإن كان حاجة عالمية مشتركة، فهو ليس قيمة عالمية موحدة. فالمرء يخرج من بيته أو من مقر عمله في وقد أرهقته متاعب الحياة، فيجد أمامه خيارات شتى، عجائن أو أسماك، بقر أو دجاج، خنزير أو حلال.. فيشعر بحرية في اختيار ما يبتغيه من طعام، وهي حرية لا تقل عن حريته في الرأي وحريته في الاختلاف. فلماذا إذن الخوف من التميز الإسلامي ما دام هذا التميز منفتح ومتفهم للعلمانية التي تسكن الضمير السياسي الفرنسي منذ قرن ويزيد..؟ وهل هناك من غاية يتوخاها اليمين المتطرف من حملته الظالمة، سوى التضييق على التميز الإسلامي الذي بدأ يأخذ أبعادا اجتماعية وثقافية واسعة في بلد يمثل أكبر سوق للحم الحلال في أوروبا، وزاد استهلاكه في العشر سنوات الأخيرة بنسبة 15% وبمبيعات تجاوزت 8 مليارات أورو سنة 2015 (نحو 82 مليار درهم)..إن ما يخشاه المسلمون اليوم هو أن يتحول العداء للإسلام من منهج شعبوي انتخابي متطرف إلى منظومة فكرية قد تتلاقى حولها نخب فكرية وسياسية تجمع في صفوفها اليمينيين والليبراليين والعلمانيين والاشتراكيين.

سؤال ثاني يفرض نفسه : ما الذي فعله مسلمو فرنسا ليصابوا في كل مرة بصدمة جديدة؟ فبعد قضية منع الحجاب في المدارس والجامعات، وبعد الاعتداءات المتكررة على الإسلام ورموزه من مساجد ومكتبات ومقابر، يأتي الدور اليوم على اللحوم الحلال لتكريس مظاهر التحقير للمسلمين. 

حملة انتخابية حاقدة لليمين المتطرف عنوانها اللحم

ثم إن الجالية المسلمة في فرنسا، وعموما العربية، لا تدفع فقط ثمن العنصرية والإسلاموفوبيا، وإنما أيضا فاتورة سوء الدفاع عن المسلمين من العديد من المسلمين أنفسهم.. فمن العبث أن يثير البعض في مجتمع رأسمالي كما هو المجتمع الفرنسي، حق شركة تجارية في اختيار البضاعة الغذائية التي تبيعها أو تروج لها. وليس كذلك من حق أية جهة  حكومية أن تمنع مطاعم خاصة باللحم الحلال في وقت تسمح فيه بمطاعم خنزير ومطاعم كاشير وغيرها.. ففي المطعم الصيني لا يوجد تمييز مرتبط بغياب الخبز، كما أنه في المطعم الإسلامي لا يوجد تمييز لعدم وجود لحم الخنزير. فحينما يرفض المطعم تقديم وجبة متوافرة لزبون معين، فإنه يمارس التمييز بحقه، أما في غياب الوجبة أصلا في المطعم، فلا يوجد رفض، وبالتالي لا يوجد تمييز.

حملة انتخابية حاقدة لليمين المتطرف عنوانها اللحم

حملة انتخابية حاقدة لليمين المتطرف عنوانها اللحم “الحلال” في الأسواق الفرنسية


أحمد الميداوي