يشكل الحديث عن المدرسة المغربية نوع من تعابير الحزن والعزاء والمواساة، بشكل عفوي عن فقدان تلك المدرسة الجميلة التي كانت تخرج منها أطر ومهندسين ودكاترة...،وأصبحت اليوم مصنعاً ينتج جيلا عاطل فكريا وتقنيا وغير قادر على تفسير أوضاعه الاجتماعية التي يعيشها، إنه جيل اصطدم بالواقع بعد أن رسمت له المدرسة حلما زائفا حين وطأت قدمه أول مرة عتبة القسم، وبدأ الأستاذ بطرح السؤال المعتاد :ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟! بكل براءة وإيمان بالمستقبل الجميل يجيب التلميذ الجديد وهو لا يزال يعيش صدمة القطيعة الابستمولوجية التي حدثت له مع محيطه العائلي، أريد أن أصبح (معلما.... طبيبا.... ربانا...)، لا تهمنا الإجابات هنا قدر ما يهمنا الصدام الاجتماعي والاقتصادي الذي نحن عرضت له. إن مدرستنا لم تعد تنتج سوى الفشل والفاشلين، وأن هذه المؤسسة التربوية والتعليمية الاجتماعية بكل تلاوينها المحيطية والادارتية السياسية لم تعد محركاتها صالحة فهي كاسدةتحتاج لمن يطلحها، ومع الأسف كل التدخلات الميكانيكية والاطفائية للحكومات المتناوبة لم تشفع لها لإخماد نيران الانتحار، نعم الانتحار. فكيف ذلك؟! المدرسة روح وجسد وعقل بمثابة امرأة جميلة تحتاج لمن يعتني بها، وهذا ما لم تجده لا في الوزارة ولا الأطر ولا الآباء وأولياء التلاميذ فقررت الانتحار. 

إن أزمة المدرسة العمومية وما آلت إليه مسؤولية الجميع الكل يتحمل قسطه، فهي نتيجة اخفاقنا الجماعي أفراداً ومجتمعا ودولة، فازمت المدرسة اليوم تتجاوز الثنائية الجدلية بين "الفقيه "و"الأستاذ "أو" المعلم"،ولا يمكن حصرها حتى في حالة العنف بين التلميذ والأستاذ. فالمشكل ليس وليد اللحظة وإنما نتاج تراكم الفترات السابقة، فالحديث عن مفهوم الأزمة يتضمن الانقطاع والانفصال، أي الانتقال من وضعية إلى أخرى جديدة، فالوضعية الجديدة هنا هي الموت ودعنا نقيم صلاة الجنازة على التعليم، والسبب في الموت العاجل للمدرسة تدخلات الحكومات المتعاقبة الغير عقلانية التدبير التربوي، فبعد أن كانت المدرسة تعيش حالة مرض أدخلها في غيبوبة تامة، اتخذت هذه الحكومات مسار الطبيب الجراح فسرعان ما أكثرت التخدير في المناهج والتسيير الإداري فكانت النتيجة الموت المعجل. 

لايمكن أن نغفل اليد المشاركة في الجريمة، والتي طالما سمعنا من أفواههم كلمات عنترية متعجرفة (انا خلصتي مضمونة قرأ ولا متقرا)، فنجد أنفسنا حبيسين على عودان خشبيان مهترئين بعوامل القدم، وتجد حفريات جيل كان هناك أكثر من عقدين من الزمان، فالحجرة مكتضة بمثابة سجن "اهايو"وجدرانها ممتلئة بعبارة مكبوثية حبيسة أنفس التلاميذ، فتجد الكل ينظر إلى الآخر حيث ينتظران رنة الجرس ليغادرو إلى المنزل، دون أية استفادة ممن ضمن أجرته نهاية كل شهر. 

فإذا كان هذا هو حال المدرسة من السنة الأولى إلى البكالوريا، فالجامعة لا تقل شأن عنها، فهي اليوم بحاجة لإصلاح تعجيلي وعملية جراحية لاستئصال الورم الخبيث الذي يتجلى في بعض الرؤساء والإداريين ذوي النمط التقليدي قبل فوات الأوان، أما الأساتذة فعليهم أن يكفوا علينا بتأريخ العلوم، فلا يعقل أن نجد في جامعات دول نحن متقدمين عليها اجتماعيا واقتصاديا وعمرانيا تدرس في جامعتها أحدث النظريات العلمية، ونحن لا زلنا نؤرخ "لدروكهايم ".إنهم يريدون منا أن نكون مستهلكين لا مبدعين، فآثار القمع المادي والمعنوي لا تزال تحتوي جزء كبير من مخيلتنا منذ زمن المدرسة، وكنا نمني النفس أن تكون الجامعة حدا لها، فأنا شخصيا يوم التحقت بالجامعة سررت كثيرا وكنت ظناً أن الجامعة مكان التباري وإبراز القدرات الفكرية والانفتاح عن التأسيس الفكري للفرد، فإذا بي اتصادم مع مكان لا يعلو شأنه من المدرسة بأي شئ، فالاساليب واحدة إنما هي مختلفة في درجة القمع، ويتجسد هذا القمع في الفكر والإبداع وذلك من خلال الكتب والمطبوعات التي تكون مفروضة من الأستاذ فوق الطالب لشرائها، وتحول بتقييد الطالب دون أن تترك له فرصة تكوين نفسي بنفسه، ضف إلى ذلك هروب الأستاذ من أسئلة الطلبة لرفع من وثيرة النقاش، فاجابة سيدي الدكتورة لا تخرج عن (سؤالك خارج الدرس). 

أمام هذه الإشكاليات المعقدة طفت أساليب خبيثة تستعمل في نيل الشهادة وهذا ما يطرحنا أمام موقع حزين يخلص لنا ما وصل إليه التعليم اليوم من انحطاط.فالغش سببه قاسم مشترك بين بيداغوجيا التعليم والتنشئة الأسرية، فلا يعقل أن تربط الطالب أو التلميذ بحفظ أزيد من 600 ورقة، فما نتعلمه ليس قرآن كي نرده في أجوبة الامتحانات بنقاطه وحركاته، أما من الناحية الأسرية فالجهل وعدم الوعي إضافة عامل الفقر و...ساهموا إسهاما حاسما في تفشي ظاهرة الغش داخل أسوار المدارس والكليات. 

إجمالا إن كل المشاريع والخطابات الإصلاحية الاستعجالية لم تعد تشفع فاغلبها يوجد في دعايات الانتخابات يحوم خارج الحجرات بعيدا كليا عن داخلها.وما زاد الطين بلة ورفع من حالة الشك هو التوظيف "بالعقدة "من أجل الرفع من مردودية التعليم أو بالأحرى كفن المردوية في أحسن كفن. لهذا فالتعليم في المغرب بحاجة ماسة لاسطورة البوذيين التي تحي الأموات أو لطائر الفنيق كي يخرجها من رمادها وتعيش حياة جديدة أمام رهانات العلم المتقدم واقترح في الأخير بعض النقاط من أجل مدرستنا :

_ضرورة المواطنين والمواطنات وضع تقتهم في المدرسة العمومية. 

_على أصحاب الشكارة والأطر والمعلمين والاساتذة والإداريين تسجيل أبنائهم في المدرسة العمومية، حتى يتبثون لنا إيمانهم بالمدرسة العمومية عوض الزج بها في الخطابات السياسية والمصلحة الخاصة. 

_على الجيل الجديد من الأطر والاساتذة أن يكونوا على قدر المسؤولية وألا يكرروا مأساة الجيل السابق والتي تتجلى في أبشع التجليات (القمع، عدم إحساس بالمسؤولية، طغيان المصلحة الشخصية قبل الوطن).

 

عبدالله العواد