يتعين على الرئيس اليمني الجديد عبدربه هادي الذي ستدوم ولايته للفترة الانتقالية المحددة بعامين أن يقف أمام قضايا معقدة وشائكة تراكمت على مدار عقود طويلة منها ما ورثه عن سلفه المخلوع علي عبدالله صالح، ومنها ما يعود إلى اختلالات مزمنة فضلاً عن إنجازه لاستحقاقات مستقبلية انتعش تطلع اليمنيين إليها بقوة مع اندلاع الثورة الشعبية العام الماضي لعل أهم التحديات التي تواجه هادي هي تلك المتعلقة بتركة مرحلة حكم سلفه علي عبدالله صالح ويأتي في مقدمتها إزالة انقسام في مؤسسة الجيش وإعادة هيكلتها على أسس تستعيد الهوية الوطنية للجيش والأمن. فخلال العقود الثلاثة الماضية تحول الجيش تدريجياً من مؤسسة وطنية إلى مؤسسة عشائرية ثم عائلية وعلى خلفية الثورة الشعبية انقسم الجيش إلى فريقين متصارعين هدّدا البلد بحرب أهلية ربما كانت الدافع الرئيس للبحث عن مخرج آمن من نذر الحرب المخيمة عليها ولذلك يعد اجتياز هذا الخطر الخطوة الأولى التي ينتظرها اليمنيون من رئيسهم الجديد، فأهم الوحدات العسكرية والأمنية الموالية لصالح (أي الحرس الجمهوري والأمن المركزي والحرس الخاص والطيران والدفاع الجوي) ما زالت تحت هيمنت أبناء وأقارب صالح وفي المعسكر المقابل هناك الوحدات والمعسكرات "المساندة للثورة " وبالتالي فإن إزاحة الطرفين عن مواقع الهيمنة ليست بالأمر الهين خصوصاً إذا ما أخذت بعين الإعتبار المصالح والمنافع التي استفاد منها القادة العسكريون.

 

مصالح متراكمة.. وممانعة مرتقبة

فاستناد القادة العسكريين إلى القوة والنفوذ اللذان تجلبهما لهم هذه المؤسسة، وضعف المؤسسات الرقابية تجاهها (وفق ما يخلص إليه تقرير أعدته الوكالة الأمريكية للتنمية حول تقييم الفساد في اليمن) مكنت القادة من التدخل في كل جوانب الحياة، وممارسة أنشطة متعددة على علاقة بنفوذهم، كالسطو على الأملاك العمومية من أراض، والإستفادة من الصفقات والمناقصات العسكرية التي تغيب فيها الشفافية والتهريب وفرض شركاء في المشاريع الإستثمارية الكبيرة، يُضاف إلى ذلك أن حوالي 40 % من الجنود اليمنيين مجرد أشباح لاوجود لهم سوى في قوائم الرواتب الشهرية وفق ما خلص إليه التقرير الأمريكي المشار إليه ومن المحتمل جدا أن تُواجه هذه المصالح المتضخمة والمتراكمة على مدار عقود طويلة ممانعة قد تعيق جهود هادي لاسيما في ضوء المقدمات التي برزت خلال المرحلة السابقة للإنتخابات الرئاسية ومع أن هادي قام عقب انتقال السلطة إليه وبمقتضى المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية بتشكيل ورئاسة "لجنة الشؤون العسكرية وتحقيق الأمن والإستقرار" بالمناصفة بين طرفي الجيش المنقسمين، إلا أن أداءها خلال الفترة السابقة كان غير مُرض حتى للرئيس الإنتقالي نفسه الذي أبدى غير مرة تذمره من تفاعل أطرافها مع إزالة المتاريس والتحصينات العسكرية على سبيل المثال يجدر التذكير أن هذه اللجنة هي التي ستتولى عملية الهيكلة والدمج، ولا يمكن استبدال أعضائها طبقاً للإتفاقية المشار إليها، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى هيكلة توافقية للجيش لا تلبي الحاجات الملحة لاستعادة الطابع الوطني لهذه المؤسسة الحيوية في اليمن.

 

تحديات إضافية

التحدي الثاني الذي يُواجهه الرئيس الإنتقالي يتمثل في مدى استمرار التوافق والتعايش بين ائتلاف طرفي الحكم (أي المؤتمر الشعبي العام واللقاء المشترك). فالصراع الذي دار بين الطرفين كمعارضة وسلطة على مدار أزيد من عقدين أدى إلى الإقصاء الوظيفي للخصوم من قبل الحزب الحاكم حتى رحيل صالح، وهم اليوم يطمحون إلى استعادة مواقع أتباعهم، فضلاً عن أن أنصارهم ينتظرون مكافآت وظيفية ومادية، وهذا قد يؤدي إلى هجوم مضاد من قبل الأحزاب العائدة للحكم على مواقع الوظيفة العامة، في الوقت الذي يسعى المؤتمر الشعبي (الحاكم لوحده سابقا) إلى الإحتفاظ بواقع أتباعه وأنصاره، ما ينذر بانتقال الصراع السياسي إلى أروقة ومؤسسات الإدارات العمومية لذلك فإن ما يُطلق عليه بـ "ثورة المؤسسات"، ليس إلا وجها من أوجُه الصراع المبكر على الوظائف العامة كما يرى المراقبون المحايدون، وقد يحول هذا التحدي دون انتقال حقيقي إلى دولة المواطنة والمؤسسات التي يحلم بها اليمنيون والتي يتعين على الرئيس الجديد تحقيقها وفقاً لبنود المبادرة الخليجية.
 
أما ثالث التحديات فيرتبط بتلبية مطالب الشباب المحتجين، حيث لازالت الصورة غير واضحة بشأن استمرار اعتصاماتهم أو فضها. فالمستقلون يقولون إنهم مستمرون في احتجاجاتهم حتى تحقيق كامل أهداف ثورتهم وفي تصريحات ، قال العقيد وهيب الخامري، الناشط المستقل من ساحة الحرية في مدينة تعز: "لن نُخلي الساحات، ولن نمدّ أيدينا إلى من خانوا الثورة وساوموا على دماء الشهداء والجرحى وإنما سنظل في الثورة حتى تحقيق الحسم الثوري ومحاكمة القتلة"، أما موقف أحزاب تكتل اللقاء المشترك فما زال يلفه الغموض فهناك قيادات تؤكد أن المحتجين سيُخلون الساحات بمجرد إبداء الرئيس هادي موافقته على تلبية مطالبهم كما ورد على لسان القيادي في حزب الإصلاح محمد قحطان، إلا أن القيادي في الحزب ذاته حميد الأحمر أدان الإحتجاجات منتصف الأسبوع الماضي  التحدي الرابع يتعلق بالإصلاحات الدستورية والتشريعية والإنتخابية وتشمل إعداد دستور جديد وقضاء دستوري يضمن احترام هذه الوثيقة وسُموّها على ما عداها من القوانين والتي يبدو أنها ستكون مثار جدل واسع، لاسيما بين المطالبين بإجراء إصلاحات ليبرالية منفتحة على العصر وبين متشددين محافظين إسلاميين وقبليين. كما ينتظر أن تتباين المواقف تجاه النظام الإنتخابي الذي ستفرزه الإصلاحات المرتقبة والمسائل المرتبطة بضمان النزاهة والشفافية وحياد الإدارة والمال العمومي والعدالة والمساواة وأن تستغرق وقتاً طويلاً لإعدادها والتحضير لها وصولاً إلى إقرارها بشكل نهائي.

 

"المشكلة في صنعاء.. لا في عدن وصعدة"

إضافة إلى كل ما سبق، ثمة تحديات مزمنة يُعاني منها اليمن كالقضية الجنوبية، والتمرد الحوثي في الشمال، وإشكالية تنظيم القاعدة، وجميعها ازدادت حدة وخطورة في الآونة الأخيرة، من خلال مقاطعة الإنتخابات، وأعمال العنف والإرهاب، ما يدعو الرئيس هادي إلى خوض مواجهات واسعة على أكثر من جبهة، إما محارباً أو مسالماً في آن، وذلك في الوقت الذي دخل فيه اقتصاد البلاد الفقير أصلاً مرحلة من الشلل التام وتوقفت عجلة التنمية في جميع قطاعاته بسبب الأحداث التي عاشها اليمن وبالنظر إلى تعدد وجسامة التحديات التي تواجه الرئيس اليمني الجديد ومحدودية المدة الزمنية التي مُنحت له، هناك من يرى أنه من الصعوبة بمكان إنجاز جميع الخطوات المطلوبة للإنتقال بالبلاد إلى بر الأمان خلال فترة العامين الممنوحين للرئيس الإنتقالي عبدربه هادي.
 
و  يقول رئيس منتدى التنمية السياسية والخبير اليمني المخضرم الأستاذ علي سيف حسن: "السنتان بمقياس العالم طويلة وكافية، أما بالمقياس اليمني فإنها فترة قصيرة، وأقصى ما يمكن تحقيقه خلالها تهيئة اليمن لمواجهة التحديات، لا مواجهة التحديات نفسها" ويذهب سيف إلى أن الإتجاه في هذه التهيئة "يعتمد بدرجة رئيسية على طرفي الشراكة في الحكم، أي اللقاء المشترك والمؤتمر الشعبي العام.. فإن استطاعا أن يتجاوزا اجترار خصومات الماضي وتفاعلا بجدية مع التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد، يمكن أن تقف اليمن عند بداية مرحلة جديدة تتهيأ فيها للتصدي للقضايا الشائكة، وما لم يحدث ذلك، فإن اليمن قد يتحول من بلد في خطر إلى بلد خطر". أما الحراك الجنوبي والحوثيون في الشمال فقضاياهما محددة وواضحة، غير أنه لا يوجد بالمقابل طرف أو شريك مؤهل للتعامل معها وبالتالي فإن "المشكلة في صنعاء، لا في عدن وصعدة"، كما يقول سيف خلاصة القول، يجد الرئيس الجديد نفسه في وضع لا يُحسد عليه حيث تواجهه قضايا شائكة ومتنوعة وينتظره شعب مهدود لكنه مفعم بأمل أن يُبدي هذا الرجل المشارف على دخول عقده الثامن قدرة فائقة على معالجة ملفات متراكمة منذ أمد طويل وفي ظرف زمني قصير. فالذين اختاروه لا يُعوّلون عليه في أن ينتشلهم من حافة الخطر إلى برّ الأمان فحسب، بل ويراهنون عليه كي يعيد بناء الخراب المزمن الذي لحق ببلدهم.

 

عبد الكريم سلام - صنعاء