لمساعدة ليبيا في التحضير لانتخابات المؤتمر الوطني المزمع تنظيمها يوم 23 يونيو 2012. ويتزامن ذلك مع خوض مصراته، ثالث مدينة ليبية من حيث عدد السكان، بنجاح أوّل إستحقاق انتخابي على المستوى المحلّي، مما يعتبر سابقة في تاريخ ليبيا المعاصرة وتوجد برن ضمن مجموعة من المموّلين والمتعاونين الدوليين مع بعثة الأمم المتحدة التي سوف تشرف على الإستحقاقات الإنتخابية القادمة في هذا البلد الذي احتفل قبل أيام بمرور السنة الأولى على اندلاع ثورة 17 فبراير وفي حديث أدلى به إلى وكالة الانباء السويسرية يوم الإثنيْن 20 فبراير، قال ميشال غوترات، سفير سويسرا في طرابلس،: "نجاح انتخابات المجلس الوطني القادم يمثل اليوم أولوية، وعليها تقوم شرعية الحكومة المقبلة" ومن المتوقع أن يتكفّل الأعضاء المائتيْن للمجلس الوطني المرتقب بتعيين حكومة جديدة وصياغة دستور للبلاد في غضون شهريْن. وبعد أن يُعرض على التصويت في إستفتاء عام في ظرف لا يتجاوز 30 يوما، لم يتم إقراره إلا في صورة موافقة ثلثي الناخبين.  بالإستناد إلى الدستور المرتقب، سوف يتم وضع قانون جديد للإنتخابات يضبط القواعد التي على أساسها تنظّم انتخابات عامة لإختيار برلمان وحكومة شرعييْن للبلاد.

 

سابقة في ليبيا

تُعدّ انتخابات المجلس المحلي بمدينة مصراته التي أجريت يوم الإثنيْن 20 فبراير 2012، أوّل انتخابات تجري عقب ثورة 17 فبراير، ولم تشهد البلاد مثيلا لها منذ 40 سنة، كما تعتبر صورة مصغّرة، وتعطي مؤشرا إيجابيا مهمّا لاستعداد كل مكوّنات الشعب الليبي للإنطلاق بحماس نحو بناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية في هذا السياق، تحدث سليم محمّد بيت المال، أحد الفائزين في هذه الإنتخابات، في حديث  عن هذه التجربة فقال: "شكلت هذه الإنتخابات بالنسبة لنا عيدا، وتجد تعبيرات ذلك واضحة على وجوه المواطنين الذين أقبلوا إقبالا كبيرا على مراكز الإقتراع لإختيار مرشّحيهم". ويشاطره في ذلك محمد بلروين، رئيس لجنة الانتخابات بالمدينة الذي قال لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس): "هذا حدث تاريخي، نتمنى أن تقدّم هذه الإنتخابات نموذجا يمكن الإقتداء به في المستقبل".
 
هذا الاستحقاق الانتخابي جاء متزامنا مع الذكرى الاولى لانتفاضة هذه المدينة وتحررّها من قبضة نظام معمّر القذافي بعد أن طوّقها حصار عسكري لعدة اسابيع، وأخضعت لقصف وتدمير ممنهجيْن. وعن هذه الدلالة المهمّة، يقول السيد بيت المال: "منذ ان شكلت اللجنة المستقلة للإشراف على الإنتخابات، وضعت خطة طريق لكي يكون يوم 20 فبراير (ذكرى تحرير مصراته) هو يوم خوض هذه المدينة لأوّل تجربة ديمقراطية على مستوى ليبيا" كان الإقبال بحسب المراقبين مفاجئا في هذه الإنتخابات حيث بلغت نسبة التسجيل في القوائم الإنتخابية 65% من مجموع من يحق لهم التصويت (102 ألف من مجموع 160 ألف)، ولاشك أن هذه النسبة  تعد مرتفعة جدا إذا أخذنا في الاعتبار أن هذه هي أوّل تجربة من نوعها في هذا البلد الخارج لتوه من ديكتاتورية قاسية في الأثناء، تتابع المدن الليبية الأخرى عن قرب هذه التجربة، وحلّت بمصراته في الأيام الماضية مجموعة كبيرة من المراقبين من مختلف مدن وجهات ليبيا ومن الصحافيين الأجانب، جاؤوا بصفة مراقبين، بعضهم من مؤسسات المجتمع المدني وبعضهم من مؤسسات حقوقية، وهم يطمحون إلى نقل هذه التجربة إلى مدن أخرى مع "مراعاة خصوصيات كل جهة" على حد عبارة بيت المال.

 

مؤشرات ودلالات

أُعلن مساء الثلاثاء 21 فبراير عن نتائج هذه الإنتخابات المحلية والجزئية، وتوحي النظرة الأولى إلى ما جاء فيها بأن العنصر الجهوي او القبلي لم يلعب دورا هاما في فوز أغلبية الأعضاء البالغ عددهم 28 عضوا، في الوقت الذي يتكشّف بالواضح أن الدور الذي لعبه كل مرشّح خلال حرب التحرير كان المتحكّم في الإختيار بالإضافة إلى الثقة في قدرة المترشّح على قيادة المرحلة القادمة التي تتميّز بالدقة والحساسية ومما يؤكّد ما سبق هو أنه لم يكن هناك أي فائز من المحسوبين على النظام السابق، كما لا يمكن نسبة الاسماء الفائزة إلى تيار سياسي بعينه ما عدى بعض الأسماء المعروفة بتوجهها الإسلامي، وتحديدا من جماعة الإخوان المسلمين في الوقت نفسه، تجاوزت نسبة المشاركين في الإقتراع 58% من مجموع المسجلين، وكان من بين المقترعين 38% من النساء، والبقية من الرجال، لكن لم يفز أي وجه نسائي رغم ترشّح ثلاث نساء. كما يوجد من بين الفائزين 4 أعضاء حاملين لشهادة دكتوراه، و8 عناصر لشهادة ماجستير، والبقية من الحاملين لشهادة جامعية ومن المهنيين. 

 

انتخابات بمثابة الانقلاب

تأتي هذه الانتخابات المحلية الجزئية تجسيدا لشعار بات يرفعه المجتمع السياسي والمدني في ليبيا ويتلخّص في أن "إصلاح المجلس الإنتقالي يأتي من إصلاح المجالس المحلية"، وأن من يحكم البلاد في المرحلة الإنتقالية لابد أن يحظى بثقة هذه المجالس القاعدية. ويحدث هذا كرد فعل على عجز المجلس الوطني الإنتقالي حتى الآن عن فرض سلطته بشكل كامل على كل مناطق البلاد، وفشله في تحقيق ما يطمح إليه الليبيون من أمن وإعادة إعمار، وبناء وتنمية ويرى سليم محمّد بيت الله أن "الحكومة الليبية الحالية لا زالت مقصّرة في أداء ما هو مطلوب منها، وأتمنى أن يكون لها تواصل أكبر مع المواطنين حتى يكون الجميع على وعي بما يحدث".
 
وعن التحضيرات الجارية لانتخاب المؤتمر الوطني المقبل، يقول سليم بيت الله، الذي ترجّح بعض المصادر أن يُصبح قريبا رئيسا للمجلس المحلي المنتخب بمصراته: "إلى الآن، التحضيرات لهذه الإنتخابات لا نكاد نرى لها أثرا على الميدان، وحتى المعلومات حول هذا المؤتمر، وآلية الإنتخاب، والدوائر الإنتخابية، كل ذلك لا يزال غامضا" ولتجاوز هذا القصور، يتمنى عضو مجلس مصراته المنتخب أن تنظّم الحكومة الليبية حملات إعلامية كبيرة لتوعية الناس وإعلامهم بما يجرى، لكنه يأسف لكون أداء هذه الحكومة "أقلّ بكثير مما هو مأمول".

 

عبد الحفيظ العبدلي