"ميؤوس منه" غالبا ما نلحق تلك الجملة ببلد عربي. أي بلد، لا فرق. بنظام ذلك البلد السياسي، بطاقم الحكم كما بطاقم المعارضة فيه، بمستقبله كما لو أن المرء لا يحتاج إلى الذهاب إلى ذلك المستقبل لكي يتأكد مما ينطوي عليه من تعاسة وبؤس وشقاء فهل يمكن أن تؤدي الفوضى التي يعيشها العالم العربي إلى زمن يحل فيه الفرج؟

هناك من يعمل جاهدا على تأصيل تلك الفوضى، التي صارت تعبر عن نفسها بطرق متعددة لتأخذ أشكالا لا تبشر بالخير، بالرغم من أن البعض منا صار يعمل هو الآخر جاهدا على غض الطرف عنها سيكون علينا أن نعترف، شئنا أم أبينا بعجز مجتمعاتنا عن استيعاب ما تنطوي عليه الرغبة في التغيير من معطيات ايجابية. وإلا كيف يمكننا أن نفسر ما أنتهت إليه بلدان الربيع العربي من حالة انقسام وتشرذم وصراع داخلي مرير، صار يهدد بأخطاره وحدة مجتمعات، كانت تأمل في الخلاص من النظام السياسي القديم لتجد لنفسها مكانا على خارطة العصر فإذا بها تُجر بقوة إلى سجالات يغلب عليها العنف؟

وإذا ما كان الشعب المصري قد نجح حتى هذه اللحظة في تفكيك الالغام التي زرعتها جماعة الأخوان المسلمين في طريقه، فإن هناك قوى عربية لا تزال تراهن وبوقاحة لا مثيل لها تسليم مصائر شعوب عربية إلى الجماعات الاسلاموية المسلحة. وهي الجماعات التي إن عجزت عن المواجهة المباشرة فلن تجد ما يردعها عن اعتماد اسلوب السيارات المفخخة والانتحاريين من اجل الحاق أكبر ضرر ممكن بين صفوف المدنيين سأكون مضطرا هنا إلى الاشارة إلى الوضع الحائر الذي وقعت فيه دول مجلس التعاون الخليجي وهي تواجه حماسة قطر، وهي دولة عضو في المجلس، للارهاب المتمثل في الجماعات المتشددة التي تمولها ماليا وتدعمها إعلاميا.

كان خطر تلك الجماعات قد انتشر في لبنان والعراق ومصر وليبيا وسوريا واليمن، بدعم مباشر من قطر، ولكن أجراس ذلك الخطر صارت تدق في بلدان خليجية، كانت إلى وقت قريب في منأى من التهديد المباشر كانت دول الخليج إلى وقت قريب تغض النظر عن السلوك القطري وهو موقف ستدفع ثمنه شعوب تلك الدول، حين تجد نفسها مضطرة إلى مواجهة الخلايا الارهابية التي صار عليها بسبب الحث القطري أن تستيقظ من نومها لقد عاشت شعوب المنطقة ولا تزال فصولا دامية، كانت تستمد قوتها من ثقافة التفخيخ. وهي ثقافة تهدف في الجزء الاساس منها إلى تكريس مبدأ اليأس السياسي. فلا حل أمام المجتمعات التي ضجرت من النظام القديم سوى الاستسلام لنظام يديره فقهاء الحلال والحرام.

وإذا ما كان لبنان بلدا ميؤوسا منه، بسبب مرضه الطائفي الذي صار يتفاقم، وهو أمر طبيعي في ظل استسلام المجتمع اللبناني لليأس السياسي، فإن الوضع في العراق ليس أفضل وللأسباب نفسها العراق الجديد الذي اقترحه المحتل الاميركي كان نموذجا مثاليا في تكريس فشل المجتمعات في ادارة مصائرها.

لقد وُضعت المجتمعات العربية بين خيارين: اما أن تقبل بالفشل السياسي أو تتعرض لهجوم لا ينقطع من السيارات المفخخة والانتحاريين الذين صاروا بسبب عبقرية المخابرات الغربية عنوانا لصحوة اسلامية، صارت الحياة تحت مظلتها مختبرا للوصول إلى موت سعيد، هو في حقيقته الهدف الذي تسعى إلى الوصول إليه كل الجماعات الدينية المتشددة التي تدعمها قطر يعيش العرب اليوم لحظة حرجة في تاريخهم فاما أن يمسكوا بمصائرهم بأيديهم، بما يعني الكشف عن عدوهم الحقيقي أو أن يستمروا في الصمت، الذي هو نوع من الخيانة سيكون الاستمرار في موقف محايد صعبا.

 

فاروق يوسف