أثار الإنسحاب العسكري الأمريكي من العراق، تساؤلات عديدة حول مدى قُـدرة القوات العراقية على الحفاظ على الأمن والاستقرار ومدى قدرة الحكومة المركزية في بغداد، على التعامل مع تحدِيات ما بعدَ الإنسحاب، بالإضافة إلى ما أثاره ذلك الإنسحاب من مخاوف، تتعلّـق بإمكانية تحوُّل العراق إلى ساحة للتنافس والصِّـراع الإقليميين.

 

في هذا السياق، استضاف مركز الحوار العربي في منطقة واشنطن الكبرى، ندوة خاصة، تحدّث فيها الدكتور جابر حبيب جابر، السفير العراقي الجديد لدى الولايات المتحدة، الذي شغل من قبل منصب مدير دائرة الشؤون العربية في وزارة الخارجية العراقية.
 
وبدأ السفير العراقي الندوة بشرح الموقفيْـن المتناقضيْـن داخل العراق من ذلك الإنسحاب. أولا، الطرح المتفائل الذي يرى أن الوجود العسكري الأمريكي كان يشكِّـل انتقاصا للسيادة العراقية ويضع قيودا تكبِّـل حرية الدولة العراقية في إدارة الشؤون الداخلية وعلاقاتها الخارجية. كما أن الوجود العسكري الأمريكي كان يوفِّـر مبرِّرا لجماعات كتنظيم القاعدة وميليشيات مسلحة لشنِّ هجمات تستهدِف إضعاف الحكومة العراقية تحت ذريعة عدم شرعية المؤسسات العراقية القائمة في كَـنف الاحتلال، كما أن الوجود العسكري الأمريكي وفّـر الفرصة لتدخّلات دول مجاورة، استهدفت زعزعة الاستقرار لتصفية حسابات إقليمية وخارجية، ليس لها علاقة بالشأن العراقي.
 
وبالتالي، يرى الطرح المتفائل أن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، يعيد السيادة للعراق ويحرم الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة من ذريعة التدخّل بحجّة وجود قوات أمريكية، كما يحرر البلاد من وطأة الضغوط الإقليمية التي ارتبطت عضويا بالوجود العسكري الأمريكي، بالإضافة إلى أن الانسحاب يقدم فرصة للمصالحة الوطنية بين أطراف عراقية، خلق الاحتلال الأمريكي بينها انقسامات سياسية واجتماعية.
 
ثانيا، الطرح المتشائم، وتعبّر عنه القوى الداخلية التي لا تشعر بالارتياح لمُجريات العملية السياسية في عراق ما بعد الانسحاب، لأنها كانت تعتمد على الوجود العسكري الأمريكي، كضامِـن وداعِـم وضاغِـط لتحقيق مطالب تلك القوى، التي تعِـتبر نفسها ممثِّـلة لأقليات عرقية وطائفية، تخشى من تزايُـد دور الدولة المركزية، ولذلك ذهب البعض منهم إلى حدِّ التنبُّـؤ بنشوب حرب أهلية أو تصاعُـد العنف المسلح في العراق بعد خروج القوات الأمريكية.

 

  انقسام النخبة السياسية العراقية

 السفير العراقي في واشنطن أعرب في مداخلته في ندوة مركز الحوار العربي، عن اعتقاده بأن الطرحيْـن، المتفائل والمتشائم، يعكِـسان انقسام داخل النُّـخبة السياسية العراقية، حيث يوجد الآن تياران مختلفان، يسعى الأول منهما إلى تعزيز سلطة ومكانة الحكومة المركزية، بحيث تمسك مركزيا بالملفات الحساسة الرئيسية والمتعلقة بالأمن والسياسة الخارجية وامتلاك وتوزيع ثروات البلاد. ويرى هذا التيار أن معظم أزمات العراق نتج من هشاشة مؤسسات الدولة وشيوع انقسامات تقوِّض دور الحكومة المركزية العراقية، ولذلك تسعى النخبة المنتمية لهذا التيار إلى تقوية الحكومة المركزية.
 
أما التيار المعاكس، فيرى أن محاولات تقوية قَـبضة الحكومة العراقية المركزية بعدَ الانسحاب الأمريكي، ستؤدّي في نهاية المطاف إلى نظام فدرالي، سيفضي إلى دكتاتورية جديدة، ولذلك تسعى النخبة العراقية المُـنتمية لهذا التيار إلى مُـساندة نظام التوافق السياسي في إدارة شؤون العراق بنظام المحاصصة، ويندرج تحت هذه النخبة زعماء عراقيون يخشون أن يدار التحوّل في مرحلة ما بعدَ الانسحاب الأمريكي، من قِـبل خصوم سياسيين قد تتوفّـر لهم فرصة الحصول على سلطة سياسية أكبر.
 
ويري السفير جابر حبيب جابر أن المخرج الرئيسي من ذلك الانقسام والاستقطاب داخل النخبة السياسية العراقية، يتمثل في الاستناد إلى إقرار الدستور العراقي بأن الحكومة الفدرالية مسؤولة عن توفير الأمن وإدارة العلاقات الخارجية للدولة العراقية، وكذلك إدارة الموارد الطبيعية وتوزيع الثروات، مع وجود عقد اجتماعي يحُـول دون ظهور دولة مركزية متسلِّطة من خلال تحديد صلاحياتها وتعهّـدها باحترام صلاحيات الحكومات المحلية، وفي المقابل، تتعهد الحكومات المحلية باحترام سلطات الحكومة المركزية العراقية وصلاحياتها في المجالات الرئيسية الثلاثة.

 

أهم التحديات لعراق ما بعد الانسحاب

وردا على سؤال حول التحديات الرئيسية التي قد تشكِّـل العُـنصر الحاسم في توجّه العراق ما بعدَ الانسحاب، إما لسكة السلامة أو لسكة الندامة، قال السفير العراقي في واشنطن الدكتور جابر حبيب جابر: "أبرز التحديات، هو التحدي الأمني، نظرا لوجود قوى إقليمية تتصوّر وجود فراغ في عراق ما بعدَ الانسحاب الأمريكي تحاول أن تملأه بتدخّلها في الشأن العراقي. كما أن هناك مجموعات مسلحة كانت تعمل في داخل العراق بحجّة مقاومة الاحتلال الأمريكي، تريد الآن استغلال الخروج الأمريكي لفرض نفوذٍ لها عن طريق الإسهام في جعل السلطة المركزية العراقية سُلطة هشّة، ويزيد من خطورة هذا التحدّي الأمني بطبيعة الحال، أنه على الرغم من قدرة قوات الأمن العراقية على التعامل مع ملف الأمن الداخلي، فإن القوات العراقية ليست جاهزة بعدُ لتولّي مهامِّها في الدِّفاع عن حدود العراق ضدّ أيِّ خطرٍ خارجي، بالنظر إلى حلّ الجيش العراقي السابق وتدمير أسلحته".
 
وأكد السفير العراقي في واشنطن أنه، لو نجح عراق ما بعدَ الانسحاب الأمريكي في توفير الأمن والاستقرار وتحقيق المصالحة والتوصّل إلى تحديد خطوط فاصلة بين صلاحيات وسلطات الأقاليم وبين ما هو سلطات واختصاصات الحكومة المركزية وعدم السماح بالاستقطاب الطائفي وما يُـسفر عنه من استدعاء للنفوذ الإقليمي على أرض العراق، فسيكون مستقبل العراق مُـشرقا.
 
وقال السفير العراقي، إن ما يُـطمئِـن إلى أن العراق يسير في سكّة السلامة، هو إدراك كل الأطياف العراقية، وإن اختلفت فيما بينها، إلى حقيقة أن العراق أصبح الآن كزَوْرق لن ينجُو منه أحد إذا تعرّض للغرق، ولم يصل بالجميع إلى شاطئ الأمان.

 

المنظور الإقليمي للانسحاب الأمريكي

على صعيد آخر، أعرب السفير العراقي في ندوته بمركز الحوار العربي عن اعتقاده بوجود رغبة إقليمية في إبقاء العراق ساحة للصراع على النفوذ، وكطرف خاضع وليس مستقلٍّ بعدَ رحيل القوات الأمريكية. وقال السفير، إن بعض الأطراف الإقليمية تروِّج لفكرة أن إيران وحلفاءها في الجوار الإقليمي، ساهموا في الضغط من أجل إخراج القوات الأمريكية من العراق، وبالتالي، فهناك منظور إقليمي يرى أن الخروج العسكري من العراق يفتح الطريق أمام مُمارسة أكبَر قَدْر من النفوذ الإقليمي على العراق، ويعزِّز هذا التوجّه، أن بعض التدخلات الإقليمية في العراق تلقى قبولا من بعض الأطراف العراقية، كما أن هناك ميْـلا إقليميا متواصِـلا للنظر إلى العراق كمجموعة من الطوائف المتناحِـرة، يحاول كلٌّ منها ادِّعاء تمثيل الآخرين، خاصة مع تصاعد الولاءات الطائفية والاستقطاب بين السُـنّة والشيعة، باعتبار العراق الساحة الرئيسية لذلك الاستقطاب. ومن ثَـم، فإن أكبر هُـموم الحكومة العراقية الآن، هو استعادة دورها السيادي فيما يخُص الأمن الداخلي وعلاقات العراق بالعالم الخارجي، حيث لا يمكن الحديث عن إمكانية ازدِهار الديمقراطية بدون توفّر السيادة.
 
وفي هذا الصدد، نفى السفير العراقي نفْـيا قاطعا في إجابته على سؤال أن تكون الاتفاقيات الأمنية أو الشراكة العراقية الأمريكية بعدَ الانسحاب، قد انطَـوت على منح القوات الأمريكية أي قواعد عسكرية في العراق، وكشَف النقاب عن أن شركات البترول الأمريكية كانت الأقل حظاً بين الشركات الأجنبية، فيما حصلت عليه من تراخيص وعقود خاصة بالبترول العراقي، لأن منح تلك التراخيص استنَـد إلى اعتبارات مِـهنية وليست سياسية، واستهدف في المقام الأول المصلحة الوطنية العراقية.

 

الآثار الإستراتيجية على محور طهران دمشق

وتطرّق السفير العراقي خلال ندوته بمركز الحوار العربي في واشنطن إلى الحديث عن الآثار الاستراتيجية للانسحاب الأمريكي من العراق على إيران، فقال إن الخروج الأمريكي سحَـب من إيران ورقة مُـساومة كبيرة، إذ لم تعُـد قادِرة على تصوير نفسها جَبهة رئيسية للمقاومة ضدّ الاحتلال الأمريكي للعراق، وبالتالي، فقدت تأثيرها الذي مارستْه خلال فترة الوجود العسكري الأمريكي، من خلال علاقاتها الخاصة مع بعض الميليشيات العراقية في الداخل، كما أن تخلّص الولايات المتحدة من عِـبْء المجهود الحربي الأمريكي في العراق، سيجعلها تمارس سياسات أكثر تشدّدا إزاء إيران.
 
وأضاف السفير العراقي قوله، أن سعي الحكومة العراقية لممارسة سياسة مستقلّة، سيؤدّي في نهاية المطاف إلى توسيع الفجْوة بين طهران وبغداد، خصوصا إذا تعارضت السياسات الإيرانية مع المصالح الوطنية للعراق.
 
ومضى السفير العراقي إلى وصف المشهد الإقليمي بعد الانسحاب الأمريكي والرّغبة في مواصلة استخدام ما وصفه بديناميكيات خطيرة، تتمثل في صعود الاستقطاب الطائفي بين السُـنّة والشيعة، كساحة رئيسية في العراق، بسبب الانقسام التاريخي بين المذهبيْـن، فقال إن وصول الربيع العربي إلى سوريا قد يزيد الأمور تعقيدا في المشهد العراقي.
 
فهشاشة الوضع في سوريا، قد تُـسفِـر عن تسرب عناصر عبْـر الحدود، تريد استهداف العراق، كما أنه لو تغيّر نظام الأسد، فقد تخلفه أطراف إسلامية متطرِّفة، تُـسهم في زيادة الاستقطاب الطائفي ويصبح العراق أول المتضرِّرين، لذلك، قال السفير جابر حبيب جابر، إنه عندما كان مديرا لدائرة الشؤون العربية في الخارجية العراقية، كان شاهدا على الكثير من النصائح والمناشدات العراقية للنظام السوري بضرورة القيام بإصلاحات سياسية واجتماعية حقيقية، وأن تتم في التوقيت المناسب وأن لا تأتي متأخِّـرة، وأن يكون هناك نقل سِـلمي للسلطة .