يعتبر النظام السياسي المغربي وليد تراث سياسي وديني وتاريخي يمتد لنحو اثني عشر قرنا من بداية لحكم الاسلامي في المغرب , ولعل اهم ما يميز هذا النظام عن تجارب الحكم في سائر الدول العربية اعتماده على مؤسسة  البيعة التي  شكلت على مر العصور الية للاستقرار السياسي في المغرب ونظام البيعة في المغرب  يعتبر تقليدا عريقا وثابتا اساسيا لا يمكن الاستغناء عنه في تثبيت الحقوق والواجبات المتبادلة بين الملك والشعب من اجل تحقيق الامان والعدل والإنصاف .

 

فالإسلام في المغرب له  خصوصية بالغة الأهمية سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي ، اذ ان تاريخ نشأة الدولة المغربية متلازم مع اعتناق المغاربة الدين الإسلامي، خصوصا مع ارتباط الأسر التي تعاقبت على حكم المغرب بسلالة النبي (ص).

 

وتستند الشرعية الدينية لإمارة المؤمنين ممثلة في الملك  إلى عقد البيعة وهو عقد ملزم يشكل ميثاقا سياسيا بين الحاكمين والمحكومين ، ويتجدد هذا العقد من طرف الشعب لكل سلطان يتولى الحكم ، وذلك بمقتضى البيعة يلتزم السلطان بتحقيق غايتين تتمثلان في الدفاع عن إقليم محدود وغير قابل للتفويت وتأسيس نظام مغربي كفيل بضمان الأمن للجميع فمنذ نحو أكثر من 12 قرنا كانت هناك هيئة تبايع الملوك في المغرب وهذه الهيئة كانت مركبة من   كافة فصائل وممثلي    

               

الشعب من طبقات العلماء وعلماء الشرعي الذين كانوا على عقد البيعة وكان هناك رجال السلطة والقواد والباشوات  والمحافظون ومن هؤلاء تتشكل البيعة .. والبيعة بهذا المفهوم تعتبر في المغرب أمر أساسي لممارسة السيادة من خلال ولاء الأشخاص والقبائل للسلطان ، وحين يصدر هذا الولاء فانه يصبح نهائيا ويهم مجموع الإقليم الذي عبر سكانه عن ولائهم ، والتعبير عن الولاء بواسطة البيعة يعتبر أسمى وسيلة لإقرار سيادة السلطان المنشاة أساسا في الشرعية ألدينية.                                       

وتجدر الإشارة إلى أن البيعة في المغرب كان لها على الدوام  طابع خاص، حيث أنها كانت دائما مكتوبة ، إذ أن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل كانت مكتوبة,وكتابة البيعة عادة ما تكون من طرف العلماء ثم توجه إلى السلطان، وبمقتضى هذه البيعة تصبح واجبات الملك أن يحمي الدين من الضياع والتسيب، وان يحميه ممن يريد أن يعتدي عليه أو يحرفه أو يمس به..      

                              

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار أن هناك علاقة جدلية بين البيعة والسيادة في المغرب ، ومفهوم السيادة في النظام السياسي المغربي له مرجعيتان مكملتان لبعضهما البعض ، وهذا نجده في الدستور المغربي الذي ينص على أن السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء ، وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية .

 

وانطلاقا من خصوصية النظام السياسي في المغرب من حيث تبنيه مبدأ البيعة الذي   يقوم على اساس اسلامي مستمد  من القران والسنة  فان البيعة ظلت احدى دعائم السلطة السياسية في المغرب   والتي تشكل كلمة السر التي تؤكد قوة المغرب وصموده في مواجهة كافة الاخطار التي تهدده على مر العصور, كما ان البيعة كانت دائما  تعمق الشعور الوطني للمواطن المغربي بأهمية التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة التهديدات الخارجية..

 

ولا غرابة في أن نلحظ التفاف الشعب المغربي في كل ازمة يمر بها حول العرش العلوي للدفاع عن الكرامة الوطنية وصيانة وحدة التراب المغربي، فقد ارتبط تاريخ العرش العلوي بالمغرب  بملاحم الجهاد ومواقف الشجاعة والشرف والكرامة، وبفضل هذا الرباط القوي ظل العرش العلوي رمز وحدة البلاد وحصنا منيعا من حصون الحرية والحفاظ على المقدسات والتغلب على جميع المؤامرات..

 

 وهذا التلاحم بين العرش والشعب  يعتبر  ظاهرة حضارية تجسد اسمى معاني التكامل والتناغم والحب والتناصر بين الحاكم والمحكوم ان ما يتميز به النظام السياسي المغربي من استقرار في الحكم والسلطة لهو  مرتبط بمجموعة من المعطيات التاريخية التي تطورت في تاريخ المغرب منذ دخول الإسلام إليه وأيضا تعاقب مجموعة من الاسر الحاكمة فيه  منذ عهد الادارسة الى قيام الدولة العلوية  ، فإن شكل نظام الحكم واعتماده على المبايعة وفق الأحكام الشرعية المعروفة في التشريع الإسلامي والأحكام التي عرفها محللوها من علماء الإسلام باسم "الأحكام السلطانية" كان له دور كبير في هذا الاستقرار طبعا إلى جانب المعطيات التاريخية الأخرى التي تحدد الظروف العامة والخاصة لكل مرحلة من مراحل تاريخ المغرب منذ الفتح الإسلامي إلى عهد  .ما يسمى الحماية (الاستعمار).

 

وإذا كان  عنصر الاستقرار والسيادة هما ضمانة  استمرار واستقرار  وازدهار وتطور  كل الامم سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا وحضاريا, وبدون ذلك الاستقرار تكون تلك الامم منقوصة السيادة وفاشلة  في توفير حاجيات مواطنيها  في مختلف المجالات اهمها الامن والاطمئنان والسلام , فانه  في ظل الاستقرار والسيادة  والأمن والآمان الذي ينعم به المواطن المغربي تحت قيادة الملك محمد السادس نجدها واضحة المعالم  ومن خلال مؤسسة البيعة هذه الاخيرة  التي ترتبط بمسألة الرئاسة والسيادة والحياة السياسية للمسلمين في الدولة المغربية التي حافظت على هذا المفهوم شكلا و جوهرا،والتي تم تعظيم شانها  في القرءان الكريم باعتبارها حامية للاستقرار و الأمن الروحي و المادي للمجتمع .حيث قال تعالى:

 

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (الفتح10{ 

 

 و تبدو تجليات هذا الاستقرار وهذه السيادة ملموسة وبأبهى صورها  في مختلف  مظاهر ومجالات الحياة المغربية المختلفة  ، ديمقراطيا واقتصاديا واجتماعيا ودينيا  ومعنويا اذ انه منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس الحكم في المغرب في العام 1999  فإننا نجد العديد من الاصلاحات والمكاسب التي حققها المغرب في عهده ...

 

-   إنجازات ومكاسب هامة شملت٬ على الخصوص٬ إصلاح الحقل السياسي من خلال تطوير الآليات الديمقراطية والعمل على توفير موارد العيش للمواطنين والمواطنات بما يسهم في حل المشاكل المادية٬ علاوة على الجهود الحثيثة المبذولة لتحقيق التنمية البشرية من خلال إطلاق مبادرات ومشاريع مدرة للدخل٬ في سعي إلى تحقيق ما أمكن من التوازنات الاجتماعية والنمو الاقتصادي٬ ما جعل المغرب في منأى عن تداعيات الأزمات  الاقتصادية التي تعصف بالعديد من الدول حتى المتقدمة منها .

.كما انه في عهد الملك محمد السادس  تم اعطاء الاولوية لتدشين .

 

مجموعة من الإصلاحات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية مست المواطن المغربي البسيط، من مدونة 

 

الأسرة إلى تنصيب هيئة الانصاف و المصالحة، و المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و محاربة الفقر و الأمية 

 

و النهوض بالعالم القروي، و النهوض بالبنية التحتية و الكثير من المشاريع التنموية و الهيكلية، و تتويجا 

 

بالاستفتاء على أول دستور في عهد جلالته  في شهر  يوليو 2011، و الذي دشن لمرحلة جديدة في مسار 

 

التحول الديمقراطي للمملكة المغربية كل ذلك انطلق  في تجاوب وتناغم  ملفت مع تطلعات الشعب المغربي .

 

لقد شكلت البيعة في المغرب  على مر العصور الية  للاستقرار والأمن ورمز وهوية ووحدة  للنظام المغربي , 

 

وشكلت على الدوام عنصر اجماع وطني لدى المغاربة,  وهي علاقة سيكولوجية نفسية واجتماعية وثقافية 

 

متبادلة بين الملك والشعب , وهذه العلاقة يسودها الصدق والثقة والأمان والتوافق على الثوابت الوطنية 

 

للدولة المغربية من دين وهوية ووطن موحد ونظام حكم يتسم  بالاستقرار والتطور والتجدد.

 

 

د.عياد جلول

 

 باحث وكاتب من لبنان