الخطاب السياسي الذي استعملته الجمهورية الإسلامية كثيراً، وخصوصاً بعد فشل الولايات المتحدة في تهدئة أفغانستان والعراق في أعقاب احتلالهما، اعتبر أن الدولة الأعظم في عالم اليوم بدأت تسير في طريق الهزيمة وفقدان النفوذ والهيبة في الشرق الأوسط. ولم يتغير هذا الخطاب رغم الهزات الكبيرة التي تعرّض لها "محور الممانعة والمقاومة" الذي تقوده إيران ولا يزال في فلسطين وسوريا، ورغم الخوف من اشتعال حرب مذهبية مكشوفة باعتبار أن الحرب غير المكشوفة دائرة منذ سنوات وهي تشمل المنطقة كلها. لا بل إن التمسك بمضمونه اشتدَّ وخصوصاً بعدما وقفت روسيا الإتحادية ومعها الصين في وجه أميركا وحلفائها العرب في مجلس الأمن وعلى الأرض في سوريا. وشجَّع ذلك "دول البريكس" ومنها الهند والبرازيل على الميل في مواقفها السياسية إلى نظام الأسد والمحور المساند له. وقد عبّر إعلاميو الممانعة والمقاومة ومعهم مسؤولون كبار في طهران ودمشق عن ذلك بتأكيدهم أن الولايات المتحدة قد بدأت مرحلة أفول، وأن آحادية قيادة العالم التي مارستها منذ انهيار الإتحاد السوفياتي بدأت تسلك طريق الإنتهاء. وهي "نهاية" كان رئيس أميركا باراك أوباما استشرفها من زمان، وحاول تلافيها بالعودة عن آحادية زعامة بلاده شكلياً، وذلك عندما أطلق نظرية القيادة من الخلف تاركاً للدول الحليفة الكبرى دولياً وإقليمياً مهمة الاشتراك معها في إدارة شؤون العالم، لكن ما حصل فاق نظريته بما لا يقاس وخصوصاً بعد الدور الذي لعبته روسيا في المنطقة إنطلاقاً من إيران ثم من سوريا، والذي تجاوز بنجاحه توقّعات حتى أصحابه أي القيادات الروسية العليا.


فهل دخلت أميركا فعلاً مرحلة الأفول؟ وهل عادت روسيا دولة عظمى؟

عادت روسيا لاعباً إقليمياً (شرق أوسطي) كبيراً لا تستطيع أميركا بسببه الإنفراد بأي أمر ومن دونه حل أي من المشكلات الكبيرة في المنطقة. لكنها لم تعد بعد كما كانت أيام الشيوعية أي دولة عظمى. ولن تعود كذلك على الأرجح، يقول محللون شرق أوسطيون ودوليون. أما المحللون الإسرائيليون فإن بعضهم، من غير اليمين المتشدّد والعنصري، وهو قليل يعتبر أن الأمور على الصعيد الدولي تتغير ببطء شديد ولكن على نحو ملحوظ. فمن المبكر في رأيه القول أن أميركا دخلت في الأفول رغم توافر مؤشرات على بداية سلوكها الطريق إليه. ويعود الفضل في ذلك إلى ما جرى ويجري في سوريا. فبوتين مُمارِس "الجودو" استغل نقطة الضعف الموجودة عند أوباما في الوقت المناسب وأسقطه أرضاً. وأوباما حشر نفسه في الزاوية. هدّد ووضع خطاً أحمر (استعمال أسلحة كيميائية) رغم معرفته أن مزاج شعبه ليس حربجياً الآن. لكنه لم ينفذ فحشره بوتين ثم خلّصه ولكن بثمن. طبعاً ليس الرئيس الروسي أفضل من الأسد، فهو ضرب مواطنيه الشيشان مثلما يفعل الآخر مع مواطنيه. لكنه على الصعيد الدولي صار صانع سلام بعد توظيفه مسألة "الكيميائي السوري".


هل يستفيد الرئيس الروسي من ذلك كله للقيام بدور مماثل أو على الأقل مشابه في الأزمة الإيرانية؟

البعض المحايد من المحللين الإسرائيليين نفسه لا يستبعد ذلك استناداً إلى منشورات له تتناقلها وسائل الإعلام الأجنبية على تنوعها. فإذا كان المرشد آية الله علي خامنئي وصل إلى اقتناع بأن ضرر العقوبات الأميركية – الدولية على بلاده يفوق مكاسب برنامجها النووي فإن بوتين قد يوظف ذلك لإقناع الأميركيين بقبوله وسيطاً مع إيران. وهو ينطلق من ذلك ليتحدث عن أثر التغيير الذي يحصل في المنطقة، وفي قيادة العالم على إسرائيل، فيقول إن على حكومتها أن تكون عاقلة وحكيمة، وأن لا تمارس السياسات التي عابت على الدول العربية استعمالها دائماً في العقود الماضية (انسحاب مندوبها لدى الأمم المتحدة أثناء إلقاء رئيس إيران خطابه). ويقول أيضاً ان الظروف الجديدة تتطلب أفكاراً جديدة وخصوصاً أن أوباما وفي خطاب نيويورك ربط في وضوح بين "القنبلة" الإيرانية والاحتلال الإسرائيلي لـ"فلسطين". ولا يمكن فك هذا الربط. صحيح أن أميركا صارت أقل أهمية مما كانت وأن روسيا صارت أكثر أهمية مما كانت. لكن الصحيح أيضاً أن "إيباك" الضاغطة لمصلحة إسرائيل في الكونغرس صارت اقل نفوذاً مما كانت. لذلك على الحكومة الاسرائيلية التفكير جيداً في موضوع إيران والفلسطينيين، وإتخاذ القرارات المناسبة كي لا تُفرَض عليها لاحقاً في ضوء المتغيرات الأقليمية – الدولية.