أوضحت الدكتورة داليا الشيمي، الخبيرة في عِـلم النفس والإجتماع، أن ظاهرة العنف الموجودة في المجتمع المصري، والتي زادت حدّتها منذ اندلاع ثورة 25 يناير، تعود إلى "حالة الشّحن والتخبّط" و"التوقف الحاصل في المجتمع منذ اندلاع الثورة"، إضافة إلى "فقدان الثقة في الذين يرفعون شعارات الإصلاح".


 

وقالت الشيمي، الخبيرة في المساندة النفسية في الأزمات والكوارث ومديرة مركز "عين على بكرة للمساندة النفسية والتنمية الأسرية"، في حديث خاص لـ swissinfo.ch  "إن أبرز خصائص وصفات الشباب المصري هذه الأيام: الغضب والعنف المشحون"، وهو ما جعله "قابلا للإنفجار والإشتعال، من كثرة الضغط وعدم حدوث أي تحسُّن ملموس في المعيشة، رغم مرور عام على الثورة"، معتبرة أن " هناك حملة لتشويه صورة رجل الأمن في الشارع المصري، يقف خلفها مَـن لا يريدون لمصر الإستقرار".
 
وأضافت الشيمي، الحاصلة على درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، في سيكولوجية الشخصية المناسبة لإدارة الأزمات أن "الحل يكمُـن في إجراء عملية (فلترة) وفرز لِـما يُـقدَّم في وسائل الإعلام" وأن "يوجد تشريع عقابي للمنفلتين والذين يتعدّون حدود القانون، تكون بمثابة (مصدات)"، إضافة إلى "إيجاد متنفسات تُـشير إلى الإيجابيات بدلا من حالة (البلطجة الإعلامية)، التي انتشرت خلال العام المنصرم".
 
وطالبت الخبيرة، صاحبة أول كتاب باللغة العربية عن الأطفال والمراهقين في النزاعات المسلحة، الأندية والفرق الرياضية، وخاصة قطبيْ الكرة المصرية، النادي الأهلي ونادي الزمالك، بالاهتمام بالروابط الشبابية الـ(Ultras) الأهلاوي، والـ(White Knights) الزملكاوي، وإعداد برنامج مكثف في "التأهيل النفسي"، لتقويم وترشيد حالة "التعصُّب" والعودة بها إلى مسارها الطبيعي، وهو "الإنتماء".
 
مزيد من التفاصيل في نص الحوار:


 

swissinfo.ch: ما هي برأيك أسباب انتشار وتزايُـد ظاهرة العنف في المجتمع المصري، وخاصة بعد ثورة 25 يناير 2011؟

الدكتورة داليا الشيمي: أعتقد أن في مقدِّمة هذه الأسباب، انهيار المؤسسات، دون وجود تدريب على الإدارة الذاتية للأمور، وتحوّل كل مواطن في الدولة إلى المتَّهم والقاضي في نفس الوقت، كما يجب أن لا نتجاهل وسائل الإعلام، التي لعبت دورا كبيرا في تأجيج الفِـتن وإزكاء روح الانتقام، خاصة بعدما صنعت لنا أنواعا غريبة من الأبطال، ألا وهي: أبطال الميكروفونات والشاشات.
 
فلابد إذن، من محاسبة هؤلاء الإعلاميين على ما يقومون به من تأجيج مشاعر الشباب وإلهاب حماستهم وتحريضهم على الانفلات. فهناك في علم الجريمة ما يسمّى بـ "القتل عن طريق التخطيط"، وهو ما ابتلينا به بعد الثورة، حيث ظهر نوع من الإعلام، يمكن أن نطلق عليه اسم "إعلام المراهقة".
 
البعض يعتبر أن السبب الرئيسي، هو البطالة والفراغ المستشري في قطاع الشباب، وهما سببان وجيهان بلا شكّ، لكنهما موجودان طوال الوقت، وليسا جديدين اليوم. فإذا ما أضفنا إليهما حالة الشحن والتخبّط، التي نعيشها في المجتمع، وحالة التوقف الحاصلة في المجتمع منذ اندلاع ثورة 25 يناير 2011 وحالة فقدان الثقة في الذين يرفعون شعارات الإصلاح، فإننا لا ندري إلى أين ستسير بنا الأمور.


 

تشرف الدكتورة داليا الشيمي، على إدارة مركز

تشرف الدكتورة داليا الشيمي، على إدارة مركز "عين على بكرة للمساندة النفسية والتنمية الأسرية" في القاهرة. (swissinfo)

ماذا تقصدين بتعبير "إعلام المراهقة"؟

الدكتورة داليا الشيمي: بعضُ الإعلاميين ليس لديهم وعيٌ كافٍ بالمخاطر التي تمرّ بها مصر، ومن ثم، فإنهم يقعون في جريمة "التحريض على القتل وعلى الخراب"، وهؤلاء لابد من التعامل معهم بشدة وحسم ومحاسبتهم على ما اقترفوه في حق الشباب. فليس صحيحا أن السلطة فقط هي التي تقتل، فهناك في علم النفس شيء اسمه "التهيئة الإنفعالية".
 
الإعلام المصري – للأسف - يقوم بتسريب أفكار للناس بشكلٍ غيْـر مباشر، إلى اللاّوعي عند الشباب، الذي يختزن، وخاصة في مرحلة المراهقة. هذه الأفكار المُسَرَّبَة، وتكون منها تصورات ورُؤىً، تتطوّر إلى سلوكيات، تأخذ شكل ردود الفعل العشوائية الغاضبة، وللأسف، فإن وجهة الضبط الداخلي لم تنم بعدُ لدى الشباب المصري.


 

وما هي في تقديرك المواقف التي ساهمت في شحن الشباب، ناحية المزيد من العنف في المشهد المصري؟

الدكتورة داليا الشيمي: هناك الكثير من المواقف، ومنها: انتشار حوادث السرقة والنهب والخطف والقتل والاعتداء، التي تكاد تحدُث بشكل يومي، وما ينجم عنها، حيث تقوم بشحن اللاوعي لدى قطاع عريض من الشباب، أضف إلى ذلك إبراز موضوع الفتاة التي نشرت صورها عارية على الإنترنت، كل هذا كسر حاجز أو مانع العيب، وخلق لدى الشباب حالة مما نسميه في علم النفس "الاعتياد النفسي".
 
وللأسف، فقد ساهم وشارك الإعلام في تغذية هذا الاعتياد، بشكل مباشر وغير مباشر، وربما يرجع هذا في تقديري، إلى أن الإعلام المصري ما زال مُـلوَّثا بالشخصيات ذات المصالح، والتي لا يشغلها إلا تحقيق أعلى مستويات الرِّبح وجلب المزيد من المشاهدين، ومن ثم، المزيد من الإعلانات والمزيد من الأموال، دون النظر إلى المصلحة العامة لمصر.


 

وما هي في نظرك أبرز خصائص القطاع العريض من الشباب هذه الأيام؟

الدكتورة داليا الشيمي: أبرز خصائص وصفات الشباب المصري هذه الأيام، وتحديدا منذ اندلاع الثورة التي أطاحت بالنظام السابق، هو: الغضب والعنف المشحون. فقد أصبح الشباب قابلا للإنفجار من كثرة الضغط، إضافة إلى أنه ليس هناك ثبات. فكل يوم، الأوضاع تتغير والشباب المصري منذ اندلاع الثورة، أصبح قابلاً للإشتعال، يثور على أقل شيء ويخرج عن شعوره ويقوم بتصرُّفات غريبة، فيُـكسِّـر ويحطِّـم ويضرب ويهدم.


 

وماذا عن العلاقة بين رجل الأمن والمواطن؟ أليست سببا في تنامي العنف؟

الدكتورة داليا الشيمي: هناك حملة لتشويه صورة رجل الأمن في الشارع المصري وإظهاره على أنه ضد المواطن. وللحق، فإن ضباط الشرطة اليوم أيديهم مغلولة وهم يخافون من الاحتكاك بالناس، حتى لا يتعرضوا للاعتداء. وإذا دافعوا عن أنفسهم، تقوم الدنيا ولا تقعد، حتى أصبحت لديهم حالة من فقدان الثقة بالنفس، بل وفقدان الرغبة في القيام بمهامهم على أكمل وجه.
 
ولا يخفى على ذي لُب، أن قوات الأمن في مصر مرّت بمراحل ضعف واضحة منذ نجاح الثورة في الإطاحة بنظام مبارك، وإن كان فيهم الفاسد، فإن فيهم الشريف، مثلهم في ذلك مثل أي قطاع آخر في المجتمع، فضلاً عن أن كل ضابط اليوم، يخشى أن يصبح هو كبش الفداء.
 
والحقيقة، أن الوزير الحالي اللواء محمد إبراهيم قد بدأ بالفعل منذ توليه المسؤولية،  في إعادة هيكلة علاقة جهاز الشرطة مع الشعب، ليُـحقق الشعار التاريخي (الشرطة في خِـدمة الشعب)، مقابل التأكيد على أهمية احترام رجل الشرطة من قِبَلِ المواطن العادي.


 

وما الذي يمنع وزير الداخلية من إكمال مشروعه لترميم هذه العلاقة بين الشرطة والشعب؟

الدكتورة داليا الشيمي: هناك أيدي خفية تعمل لإفشال جهود ومساعي الوزير، لأن الرجل منذ تقلد مهام منصبه، وهو يعلن الحرب على البلطجة والإنفلات الأمني والتسيب المروري، كما شن حملة متسارعة ومتواصلة على الخارجين على القانون، أسفرت عن القبض على مئات المجرمين والبلطجية والمطلوبين على ذمّة أحكام والهاربين من السجون، وقد لمسنا جهوده في الفترة القليلة التي تولّى فيها المسؤولية.
 
لكن للأسف، هناك مخططٌ لتشويه صورة الرجل، من خلال تَعَمُّـد إثارة الفوضى في مصر، حتى تهتز صورة الرجل أمام الشعب والحكومة والمجلس العسكري، فتتم الإطاحة به، بعدما أصبح مقبولاً شعبيا بدرجة كبيرة، فضلاً عن قبوله لدى قطاع كبير من الشرطة، وخاصة أولئك الذين كانوا مهضومين ومظلومين في عهد النظام البائد.
 
من خلال تواصلي لأكثر من 6 سنوات مع قطاع عريض من ضباط الشرطة، حيث قمت خلالها بإلقاء محاضرات وعمل دورات تدريبية لضباط الشرطة، في الجوانب النفسية والاجتماعية، وأنا أقدِّر الاتهامات التي توجَّـه إلى بعضهم، وأعرف أن هناك بينهم فاسدين، لكن هناك قطاع عريض من الضباط الشرفاء، الذين تعرّضوا لضغوط كثيرة في فترة اللواء حبيب العادلي.


 

بوصفكِ خبيرة في علم النفس والاجتماع، ما هي الوصفة العلاجية التي توصين بها للخروج من المأزق الحالي؟

الدكتورة داليا الشيمي: في تقديري أن الروشتة (الوصفة) تتلخص في النقاط التالية:
 
لابد أولاً، أن تكون هناك عملية (فلترة) للإعلام. فعلى الرغم من حديث معظم وسائل الإعلام في مصر وادِّعائها المستمر عن استقلاليتها، فإن الكثير منهم للأسف، إما أن لهم مصالح شخصية أو أن لديهم غباء سياسي وإعلامي. وهناك مبدأ في التعامل مع الأزمات يقول: إن (الغباء في الأزمات ذنبٌ وليس عذرً).
 
أيضًا، لابد من أن يُعاقَب أي سياسي يستغل الإعلام في الهجوم على خصومه السياسيين، لأن أمثال هؤلاء يمارسون السياسة بأسلوب اللُّـعبة القذرة (Dirty game)، ومن ثم، فإنهم يسعون لهدم القمم والرموز الوطنية، التي يمكن أن يقتدي بها هذا الشباب الباحث عن القدوة.
 
كما يجب أن نرفض تمرير أي معلومة غيْـر موثَّـقة. فهناك – للأسف - الكثير من الخبراء والساسة ممّـن يظهرون على الفضائيات، وخاصة في البرامج الحوارية ،(Talk Show) التي انتشرت كالنار في الهشيم، فكل واحدٍ يجلس أمام الميكروفون يتطوّع بذكر أرقام ونِـسب ومعلومات، تثير الرأي العام وتشحن المشاهدين، دون أن يشير إلى مصادرها.
 
لابد من وضع تشريع عِـقابي رادِع لكل من يحاول أن يتعدّى الحدود والقواعد القانونية، ومن ثم، يكون لدى المجتمع ما يُـعرف في علم النفس بـ (مصدات الفعل)، وهي نفس فكرة الزّجر التي تقوم عليها الحدود في الإسلام.
 
لابد أن تكون هناك متنفسات إيجابية نتحدّث فيها، بدلاً من الحديث الدائم عن السلبيات، دون الإشارة إلى أية إيجابيات، وهو ما يمكن أن نطلق  عليه (البلطجة الإعلامية).


 

نودّ أن توضحي لنا المقصود بتعبير (المتنفسات الإيجابية)؟

الدكتورة داليا الشيمي: المُـتابع الجيد لما تبثه وسائل الإعلام المصرية، لا يكاد يجد على الفضائيات أو صفحات الصحف والمجلات، إلا الحديث الدائم عن السلبيات والعيوب، في ظل غياب الوسطية والتوازن. والمعلوم، أن الطرفية لا تُنقذ الأمة، والله عز وجل خلقنا أمةً وسطا.. وكما كان الإعلام في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، لا يذكر لنا أية سلبيات للنظام وظل يكيل المديح للنظام على مدى 30 عاما، فإن الإعلام في عهد الثورة المباركة – للأسف الشديد - وقع في نفس الفخّ، حيث نراه يُسهب في ذِكر السلبيات، دون الإشارة إلى إيجابية واحدة مما تحقق بفضل الثورة، وهو ما جعلنا نعيش حالة يمكن أن نطلق عليها (إعلام الفضائح).


 

وبخصوص روابط المشجعين  (Ultras)، ما الدور الواجب على الأندية والفرق الرياضية تجاهها؟

الدكتورة داليا الشيمي: على الأندية والفرق الرياضية، وخاصة قطبيْ الكرة المصرية، النادي الأهلي (Ultras) ونادي الزمالك (White Knights)، إضافة إلى بعض الأندية ذات الحضور الجماهيري الكبير، مثل نادي المصري البورسعيدي ونادي الاتحاد السكندري ونادي الإسماعيلي ونادي المحلة ....إلخ، هؤلاء جميعا عليهم إعداد برنامج "تأهيل نفسي" للروابط الشبابية للمشجعين.
 
وهنا، لابد أن نشير إلى أن هناك شعرة دقيقة للغاية بين (الإنتماء) و(التعصب). فالمشكلة ليست في الانتماء، وإنما الخطر كل الخطر، في التعصب المقيت والبغيض، لأنه كالنار الملتهبة تلتهم كل ما يواجهها، وقد أتيحت لي فرصة التواصل مع بعض روابط (Ultras) بالنادي الأهلي، وكنت أتمنى أن أكمل معهم، لكنني لم أجد اهتماما من المسؤولين.


 

وماذا عن تقييمكم لأداء الاتحاد المصري لكرة القدم وأسلوب إدارته للعبة الأشهر في مصر؟

الدكتورة داليا الشيمي: للأسف، اتحاد الكرة يعالج الأمور والقضايا والأزمات بأسلوب ضعيف جدا، خاصة وأنه يعتمد يعمل بأسلوب (المعالجة بالأزمات) وبطريقة ردود الفعل. فكلما وقعت أزمة، بادر بالاجتماع للبحث عن حلول، وهنا يثور تساؤل: لماذا لا يعمل الاتحاد بأسلوب (العلاج من الجذور).
 
فطالما أن الأندية، وخاصة أندية الدرجة الأولى الممتازة (19 ناديا) تدفع أموالاً طائلة للاتحاد، في صورة عقوبات وجزاءات ونسب من عقود بيع اللاعبين ورسوم تسجيل اللاعبين الجدد و... إلخ،  فضلاً عن الإعلانات التي تدرُ دخلاً كبيرا، فلماذا لا يُـخصَّص قسما منها في تنمية وعْـيِ الجمهور وتأهيل روابط المشجعين، لضبط الانفعالات، وأين تذهب هذه الأموال؟
 
للأسف الشديد، فإن الرياضة في مصر، وخاصة كرة القدم، معشوقة الجماهير الأولى، لم تعد لعبة لإمتاع الجماهير وتسلية المشاهدين، وإنما تحولت إلى تجارة (Business)، دون النظر إلى ما يمكن أن تسبِّـبه هذه الطريقة، التي لا تراعي الجوانب الإنسانية والمجتمعية، من مشكلات يمكنها أن تتسبب في كوارث وفِـتن لا حصر لها، مثل تلك الحادثة المروِّعة التي نحن بصددها والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 71 شابا وإصابة أكثر من 345 آخرين بإصابات بعضها خطير، بحسب بيان وزارة الصحة المصرية.


 

همام سرحان - القاهرة