أنا مسلم بالوراثة، والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، وأنا عَلماني بإرادتي، ولأن العَلمانية مصطلح سيء السمعة في نظر البعض فأنا مؤقتا سأستخدم بديلا عنه ألفاظا من قبيل "الديمقراطية" و"العقلانية" ويمكن استخدام مصطلح "الإنسانية" حتى نوضح القضية التي تبدو ملتبسة. وهي بالفعل كذلك خاصة إذا تصدى لها بالرفض ضيقو الأفق.

الشعب المصري منذ آلاف السنين وقبل الأنبياء والرسل يميل للتدين الذي ترسخ في أعماقه مع أشكال العبادة المصرية القديمة، وخاصة إيمانه بالبعث حيث المثول للحساب أمام الآلهة بعد الموت، وكان للكهنة في ذلك الزمان الاعتبار الأول لأنهم كما أفهموه البوابة الملكية نحو الخلود في الدار الآخرة. ومن هنا أصبح شاغل الإنسان المصري هو الآخرة وليس الدنيا، وهو الأمر الذي انشغل به في العقود الأخيرة الدعاة وقيادات التيارات الإسلامية كافة وركزوا عليه ومارسوا الإرهاب عن طريق الإلحاح على تذكير الناس بعذاب القبر، ومع أن المصريين يميلون بالفطرة إلى التدين إلا أن الدين عندهم ظل معتدلا ومستنيرا في أغلب صوره وتجلياته.

وأهم غايات العقلانية (العلمانية) دفع الفكر البشري نحو الإنسان، لأن الإنسان هو الأولى بالرعاية، وكذلك كل ما هو دنيوي وتجنب الانشغال بالحياة الأخرى بما يعوق حراكنا اليومي مع ظروف المعيشة والعمل والعلم والتعمير والسفر والسياحة وتقديم الخدمات المتعددة والحلم بمستقبل مختلف، وكما كتب علينا الموت كحقيقة مؤكدة كتبت علينا الحياة كواقع فعلي يتعذر تجاهله على أي نحو، ولا يتعين أن نتجاهل ما ورد بالأثر عن كبار العلماء والصالحين مُلخصا ومُستخلصا الفلسفة الحقيقية لوجود ومسيرة الإنسان في الحياتين "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".

من حق القارئ أن أفسر له سر قولي بأني مسلم وعلماني أو عقلاني في الوقت ذاته. سوف أعرض حالتي وهي حالة الكثيرين الذين يتوجسون من الإعلان عنها، وربما يجهلون تفسيراتها، وأحسب أن هذه الحالة ربما تكون عاملا مهما في مقاومة أية محاولات لفرض رؤى إسلامية متطرفة، فأنا:

• أعتمد في شق طريقي في الحياة على مصادر معرفية متعددة بل ولا يكاد يحصرها حصر بداية من القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الكتاب المقدس وتعاليم كونفوشيوس وبوذا، وكل الأفكار التي وردت في كتب أعلام الفكر والأدب من حجة الإسلام إلى القديس أوغسطين وسقراط وأفلاطون والحلاج والسهروردي وابن عطاء الله وابن رشد إلى ابن خلدون وكارل ماركس وشوبنهور ونيتشة وطاغور وجبران وشوقي وتوماس مور وسلامة موسى ثم سارتر وبراتراند راسل وفرويد وطه حسين ونجيب محفوظ وحسن حنفي وغيرهم.

• أومن بالعلم وضرورة استخدام العقل في كل الأمور، وأومن بحقوق الإنسان والحيوان والجماد وكل الكائنات التي خلقها الله وصنعها وأوجدها الإنسان، وأحترم القانون وأدعو ليل نهار للحرية المسئولة.

• أرفض تماما إجبار أحد على اعتناق أي معتقد أو مذهب لا يريده ولا يتحمس له، وبالتالي فلست مستعدا أبدا لنبذ الآخر أو تهميشه أو ازدرائه كراهية فيما ورثه أو اختاره، لأني ضد العنصرية الدينية، ولأنني أومن بأن الدين لله والوطن للجميع.

• يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.

ويقول: {ليس عليك هداكم}، ويقول الرسول: {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} أي أن الدين جاء أساسا من أجل هذه المهمة وما أقدسها من مهمة وبصرف النظر عن كل الشرائع وكل الكتب السماوية والأرضية، فيكفي أن تحل الأخلاق الفاضلة على الأرض وتحكم سلوكنا قولا وفعلا.

• قال الإمام العلامة محمد عبده بعد أن عاد من زيارته لأوروبا: "لقد وجدت هناك مسلمين ولم أجد إسلاما، وفي الشرق يوجد إسلام ولا مسلمين".

أي أن التفرقة في النظر الصحيح تنهض على أساس السلوك، ونحن في العالم العربي وفي مصر بالذات نتشدق كثيرا بالدين، أما السلوك فنحسبه شيئا آخر .. هذه نقرة وتلك نقرة!

يقول الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم: {إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى}. إذن الحساب على الظاهر من السلوك والكلام وليس على النوايا لأنها ملك لمولاها. وقال خاتم النبيين: {الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل}.

• لا أظن أن الله وكَّل عنه أحدا ليتحدث باسمه وأن يطارد الناس لحسابه، ولكنه قال: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن}، كما أني لا أومن بأن هناك على الأرض حقائق مطلقة غير الموت، فكل المطروح نسبي يقبل الحوار والتعديل والتطوير. وأومن بقول الشافعي: "كلامي صواب يحتمل الخطأ وكلامك خطأ يحتمل الصواب".

• أنا ميال لإيجابية الحكمة الشعبية، ومن ذلك المثل الشعبي القائل: "اللي يعوزه بيتك يحرم علي الجامع"، أي أنني أسلم تماما بكل ما دعاني إليه ديني، لكن إذا احتاج أولادي للقمة العيش وأنا بالكاد أوفر جزءا منها فلن أتبرع لشراء سجادة للمسجد، وإذا احتجت علاجا ضروريا وعاجلا لصحتي فليس من المقبول أن أساهم في شراء ميكروفون للزاوية.

• يقول المثل الشعبي: "بيت المهمل خرب قبل بيت الظالم"، وأنا أعدله تعديلا بسيطا فأقول: "بيت المهمل المتدين خرب قبل بيت الظالم الملحد"، ذلك لأن الله لن يدافع عن العقل الغائب، والقرآن في كل فقرة من فقراته يدعو إلى إعمال العقل. كما أن القانون لا يحمي الغافلين، والثواب والعقاب من جنس العمل.

• لي جار لا يكاد يترك المسجد وولده فاشل في الدراسة ويصاحب المدمنين .. اهتم الرجل بالله الذي ليس بحاجة إلينا وأهمل ولده، لأنه تصور بالخطأ أن الله لا بد ناصره ومعينه حتى لو نام وأهمل، وهي القضية ذاتها التي تكشف أسباب فقر وتخلف كثير من الدول الإسلامية، حيث يؤمن المسلمون في شتى بقاع الأرض إلا من رحم ربي أن الجنة في الجيب، وأن محمدا شفيعهم وإنهم المفضلون، كما يعتقد اليهود أيضا لكن ثقة المسلمين زائدة لذلك لا يعملون، فما قيمة العمل والفكر والكفاح والدقة والإتقان وتحصيل العلم والثقافة والتنافس في الأخذ بأسباب القوة، فأي قوة في الدنيا لا تساوي قدرة الخالق .. وهي رؤية عاجزة وغريبة تدفعهم للتواكل، وتجنب كل مناهج العلم والتكنولوجية والاستعانة بكل أساليب ووسائل التفوق وعدم الاعتداد بالنقد، المهم التقرب إلى الله بالصلوات وتربية اللحى، ومن المسلمين الآلاف يرتكبون المعاصي ويحرصون على طلب المغفرة بالحج والعمرة كل عام. فعلى من يكذبون؟!

• أومن بأن الله خلق الإنسان من طين .. أي خلقه للدنيا لسنوات، ولذلك يقول سبحانه: {ولا تنس نصيبك من الدنيا}، والدنيا تحتاج إلى بناء وتعمير وكدح وخبرات، ووُلد الإنسان ليموت بعد حين، أي أنه لم يخلق للخلود وأبدعه الله من مادة وروح، فالدين لعلاج وغذاء الروح، فما مصير المادة؟ ألا تحتاج إلى كل ما يلزمها، قال تعالى: {ولقد خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}. أظن أن هذه الكلمات القليلة تتضمن كل ما يحدث على الأرض من حراك وتعامل وبناء وتبادل ونفع وتطوير.

• اعتدت أن أتعامل فقط مع الذي يتقن عمله حتى لو كان ملحدا، وقد أتلقى علاجي على يد بوذي أو هندوسي إذا كان بارعا، وأصلح سيارتي عند المسيحي مادام ماهرا، ويمكن أن أركب طائرة اليهودي إذا كانت أفضل من طائرة المسلم. وإذا كنت صاحب عمل سوف أختار ليساعدني الأمهر والأكفأ وذا الخلق الحسن سواء كان شابا أو شيخا.. امرأة أو رجلا.. كونفوشيا أو دُرزيا.

• أومن بأن الحياة تتطور ولا تبقى دائما على حال، ولا بد بالتالي أن تتغير كثير من المعايير والقوانين حسب ظروف العصر ومتغيرات الحياة، وكان طبيعيا أن يقول الرسول الملهم: {أنتم أعلم بشئون دنياكم}.

• أحافظ قدر الطاقة على قيم الحق والخير والجمال والتسامح والمساواة ولدي الاستعداد غير المحدود للدفاع عن مبدأ المواطنة الذي لا يميز بين الناس على أساس الجنس أو العرق أو العقيدة أو اللون أو المكانة الاجتماعية، كما أني أحرص جدا على ترسيخ مبادئ العدل والمحبة والكرامة، وتجذبني الفنون والآداب، وأتوجس من النقاب، وأؤيد سياسات الثواب والعقاب، وأحرص على الصلوات في مواعيدها حبا في الله ورسوله وإيمانا بكتبه وجميع رسله واليوم الآخر، وأتوجه إلى الله بالدعاء كي يهديني لما يحب ويرضى، وأن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته.

لا أظن أن ما ذكرته ضد الدين؟ ولذلك لا أجد غضاضة في أن أعتقد بأني مسلم عَلماني.

فؤاد قنديل ـ روائي مصري