هذه أزمة سينكرها طرفاها، لأنها ببساطة (أم الأزمات) التي تطفو بعض مظاهرها على السطح حينا، وترقد تفاصيلها مثل بركان يغلى تحت قشرة رقيقة، ويمكن أن تنفجر منه الحمم في أي لحظة.
أتحدث عن «الوفاق الصعب» بين
لمؤسسة العسكرية والرئاسة، وبتعبير أدق: «الجيش» بغض النظر عن قادته، و«الرئاسة» ومن يصطف خلفها رسميا، أو يمسك بخيوطها من خلف ستار وهم: قادة جماعة الإخوان المسلمين، الذين كشفت ممارساتهم السياسية عن حقيقة مؤداها أنهم لا يملكون سوى مشروع «التمكين» تمكنوا، بالفعل، من مفاصل مهمة في الجهاز الإداري، أخطرها الرئاسة، ومشروع «الأخونة» ماض على قدم وساق رغم إنكار الجماعة، لكن ما يرصده أي مراقب منصف للأوضاع فى مصر سيتحقق من صحة هذه العملية.
لكن هناك مؤسسات مستعصية بالطبع على «الأخونة»، وتأتي المؤسسة العسكرية في صدارتها، فالعقيدة العسكرية الراسخة ضد الانحياز إلى فئة أو طائفة من الشعب، حتى لو كانت في سدّة الحكم، وهنا تكمن الأزمة، فبعد تفكيك «المجلس العسكري» توهم الإخوان أن اختيارهم لوزير الدفاع عبد الفتاح السيسي سيضمن لهم الولاء للجماعة، كما حدث مع غيره من الوزراء، لكن هناك حقيقة لم ينتبهوا إليها، وهي أن الجيش مؤسسة أكبر من الوزير وكل القادة، وأنها ليست «منظمة خيرية»، بل هي كيان كبير موازٍ للدولة، لها تقاليدها وحساباتها ومصالحها والتزاماتها الوطنية والدولية، وراح الإخوان يطلقون بالونات الاختبار لقياس رد الفعل، فتارة يتحدثون عن إقالة الوزير ثم ينكرون ذلك، وتارة يحاولون التدخل في قرارات تمس صميم مهام الجيش كتدمير أنفاق غزة، والحقيقة أن موقف وزير الدفاع وخلفه الجيش كان مشرفا، ورد بحسم على هذه المناورات والبالونات الإخوانية، بل وسربت أنباء عن تورط عناصر من حركة «حماس» الموالية للإخوان، أو الجناح العسكري للتنظيم الدولي، في مذبحة رفح التي راح ضحيتها 16 جنديا.
ونشرت مجلة «الأهرام العربي» أسماء منفذي المجزرة، وجميعهم من «كتائب القسام» التابعة لحماس، وأكد رئيس تحريرها أن مصدر معلوماته شخصية في الحركة، كما تحقق من صحة المعلومات عبر مصادر أمنية.
السؤال: هل يمكن لإحدى مطبوعات «الأهرام» أن تختلق معلومات بهذه الخطورة، وهي المؤسسة الصحفية شبه الرسمية، دون رضى المؤسسة العسكرية؟ والجواب هو (لا) بالبنط العريض، وأي مصري يدرك ذلك جيدا.
واقعة أخرى ألقت فيها أجهزة الأمن بمطار القاهرة القبض على 7 فلسطينيين لدى وصولهم من سوريا وبحوزتهم خرائط لمنشآت حيوية مهمة في مصر، وخطط لتدريبات عسكرية، ناهيك عما كشفته التحقيقات في قضية «خلية مدينة نصر».
الآن وبينما تتسع الفجوة بين المصريين، وتتصاعد الانتقادات للرئاسة والإخوان، وصل الأمر إلى استقطاب شعبي حاد بين رؤيتين: الأولى ترى ضرورة تدخل الجيش لحماية الهوية الوطنية التي يعبث بها الإخوان.
لكن هناك من يخشى من أن تؤدي عودة الجيش للسياسة إلى نظام شمولي حكم مصر ستين عاما منذ انقلاب 1952، ورغم ذلك حرر آلاف المواطنين توكيلات للقيادة العسكرية لتحميهم من تسلط الإخوان، واصطف آلاف العسكريين المتقاعدين مع الشباب الثائر في تظاهرات ضد الجماعة، وطالبوا الجيش بحماية هوية الدولة ومؤسساتها.
وفي تقديري المتواضع، فإن الجيش المصري ليس راغبا في الانزلاق إلى مستنقع السياسة، لكنه سيضطر إلى ذلك في ثلاث حالات حصرية، وهي:
- انزلاق البلاد إلى الفوضى التي يمكن أن تؤدي إلى الاقتتال الأهلي؛
- المساس بالشؤون الداخلية للجيش ومصالحه والتزاماته الدولية؛
- قرار الحرب.
وبلغة واضحة، أؤكد أن أي مصري يحلم بدولة مدنية لا يريد عودة الحكم العسكري، ولا الجيش يرغب في ذلك، لكن نظام الإخوان يقود مصر نحو صراع اجتماعي مفتوح، خاصة بعد اللغو الذي أثير عن منح «الضبطية القضائية» لما يسمى اللجان الشعبية، وهو ما يعنى العنف الأهلي، لكن الإخوان ينظرون إلى كل هذه التحذيرات باستخفاف، على النحو الذي كان يمارسه نظام مبارك، بل بطريقة أكثر فجاجة واستعلاء ومكابرة.
ألا هل بلغت..
 
> >  نبيل شرف الدين > >